الأخلاق تظهر في النهايات …

هناك ثوابت عُرفت منذ القدم، منذ الجاهلية، ثوابتٌ لم تهتز رغم تبدل العصور، ومن أعظمها شرف الخصومة. فقد كان العربي، مهما اشتد عداؤه، يحفظ للخصم حقه، ويصون كرامته، ولا يتجاوز حدود المروءة، لأن الخصومة عندا لأقوياء ليست ساحة للفجور، بل ميدان يُختبر فيه الشرف …
ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما فعله أبو جهل رغم شدّة عداوته للرسول صلى الله عليه وسلم حين مُنع من كسر الباب وقال قولته المشهورة:
“لا تتحدث العرب أن أبا الحكم عمرو بن هشام روّع نساء محمد.“
فهو عدوّ، نعم… لكنه عدوّ شريف الخصومة، يعرف أن المروءة لا تُهدَر، وأن الشرف لا يُباع بثمن الخلاف مهما اشتد النزاع .
وهذه الثوابت لم تكن مجرد أعراف، بل قواعد أخلاقية تصوغ السلوك: احترام العهود، صيانة المواثيق، قول الحق ولو على النفس، ووضع الذات في موضع الآخر قبل الحكم عليه. وكان من أعمق هذه القيم أيضًا حفظ الأسرار؛ فالسرّ عند العرب أمانة، وكشفه عند الخصومة خيانة لا يفعلها إلا من لا خُلق له. فالخصومة الشريفة لا تُسقط المروءة، و لاتبرّر كشف سترٍ أو إفشاء سرٍ أُؤتُمِن عليه يومًا.
وقد عبّر الشعر العربي عن هذه الأخلاق العظيمة، فقال زهير بن أبي سُلمى:
“ومَن لا يُذدْ عن حوضِه بسلاحِه
يُهَدَّمْ، ومَن لا يَظلمِ الناس يُظلَمِ”
فهو يصف ميزان القوة العادل: حماية الحق دون فجور، والدفاع دون تعدٍّ.
فتلك أخلاق الفارس: كبح النفس، وصون العرض، والسمو عن الدناءات حتى أمام الخصوم.
وفي الحكمة جاء:
“لا تُظهر سرّ أخيك عند عداوته فقد كنت تُخفيه عند صداقته.“
وهكذا ينبغي للنشء أن يتعلّم أن الشجاعة ليست في رفع الصوت، ولا في كسر الهيبة، بل في العدل، وضبط النفس، والوفاء بالقيم، وحفظ الأسرار، وقول الحق ولو على النفس. فهكذا تُبنى الرجولة، وتُصان النفوس الرفيعة.
إن شرف الخصومة ليس إرثًا قديمًا، بل قيمة خالدة تُضيء حاضر الإنسان ومستقبله. فالفرق بين خصومة وضيعة و أخرى نبيلة… هو الفرق بين قلب امتلأ بالقيم، وقلب خلا منها.
وفي النهاية… لا يُخلّد التاريخ من انتصر بقوته، بل من ارتقى بأخلاقه. تمسّك بالذي لا يفجر في خصومته، فالأخلاق تظهر في النهايات ….






