صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

زواج بلاروح ..

ليست كل الخلافات الزوجية صاخبة، ولا كل النهايات تبدأ بحدثٍ كبير. بعض العلاقات تموت بهدوء، تحت سقفٍ واحد، بينما يبدو كل شيء في ظاهره مستقرًا. فالحقيقة أن الخطر الأكبر لا يكمن في الخلاف المُعلَن، بل في التراكمات الصامتة.. التي لا تأتي دفعة واحدة، بل تبدأ من تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة: كلمة لم تُقدَّر، تجاهل متكرر، إحساس بعدم الفهم، أو صمت اختير بدل الحوار. ومع مرور الوقت، تتحول هذه التفاصيل إلى شعور دائم بالخذلان والبرود العاطفي، وتبني بين الزوجين مسافة غير مرئية، لكنها شديدة الأثر.

 

يشير الباحث العالمي في العلاقات الزوجية الدكتور جون غوتمن إلى أن أغلب حالات الانفصال لا تحدث بسبب مشكلة واحدة كبيرة، بل نتيجة إهمال التراكمات اليومية وعدم التعامل معها في وقتها، مؤكدًا أن غياب الحوار الفعّال يُضعف الروابط العاطفية تدريجيًا حتى تنهار العلاقة من الداخل.

 

الحوار في الزواج ليس رفاهية، بل ضرورة نفسية وإنسانية. وحين تغيب اللغة المشتركة بين الزوجين، لا يعود الخلاف هو المشكلة الحقيقية، بل العجز عن التعبير والفهم. فالصمت الطويل أحيانًا يكون هروبًا من المواجهة، وتأجيلًا لألمٍ سيكبر مع الزمن.

 

وقد عبّر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه عن خطورة هذا الصمت بقوله:
«أخطر أنواع الصمت هو ذاك الذي كان يجب أن يُقال فيه شيء» فهذا النوع من الصمت يحوّل الزواج إلى مجرد تعايش بلا روح، بلا دفء ..

 

وقد تستمر الحياة الزوجية شكليًا، مع تلبية الاحتياجات المادية، بينما تُهمَل المشاعر. لكن الإهمال العاطفي هو القتل البطيء للمودة؛ فالكلمة الطيبة، والاحتواء، والشعور بالتقدير ليست تفاصيل هامشية، بل ركائز أساسية لبقاء الحب حيًا. وعندما يشعر أحد الطرفين بأنه غير مرئي، يبدأ الانسحاب النفسي، ثم البرود، وربما نفور يصعب ترميمه لاحقًا.

 

بل يمتد إلى الأطفال والأسرة بأكملها. فالأبناء يشعرون بالتوتر غير المعلن، وبالبرود، وبغياب الأمان العاطفي حتى وإن لم يشهدوا خلافًا مباشرًا.

 

وتؤكد الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن الأطفال يتأثرون بعمق بالبيئة العاطفية داخل المنزل، وأن الصمت المشحون بالتوتر قد يكون أكثر ضررًا من الخلاف الواضح إذا لم يُدار بوعي ومسؤولية.
فالتراكمات عدو خفي، إن لم يُواجَه في بدايته، تسلل بصمت حتى يطفئ روح العلاقة

 

الجلوس إلى الحوار بشجاعة، والبحث عن حلول تحفظ الكرامة، وتصون المودة، وتحمل المسؤولية المشتركة.فالكلمة الصادقة في وقتها قد تنقذ علاقة كاملة ،أما الصمت الطويل… فقد يكون آخر ما يُقال دون صوت…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى