صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
منوعات

قلعة زعبل.. حصن الجوف الشامخ الذي يروي تاريخ الاستيطان والدفاع في شمال الجزيرة العربية


تزخر منطقة الجوف شمال المملكة العربية السعودية بقلاع وحصون أثرية بارزة، توثّق تعاقب مراحل زمنية متعددة من تاريخ المنطقة، وتبرز قلعة زعبل بوصفها إحدى أهم هذه الشواهد الحضارية التي ما زالت قائمة حتى اليوم، شاهدة على عمق تاريخي وحضاري امتد عبر قرون طويلة في شمال الجزيرة العربية.

وتقع قلعة زعبل على قمة جبل صخري شمال مدينة سكاكا، في موقع فريد يبدو كامتداد طبيعي منحوت في أعالي الجبل، ما يمنحها حضورًا بصريًا لافتًا من مسافات بعيدة. ويعود تاريخ بنائها الأول إلى الفترة النبطية، بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، فيما يرجع البناء القائم حاليًا إلى نحو 200 عام.

تحصينات دفاعية وأبراج مراقبة
أُحيطت القلعة بسور مشيّد من الحجر والطين، وتضم أربعة أبراج مخروطية الشكل بارتفاعات متفاوتة، خُصصت لأغراض المراقبة والدفاع. كما تحتوي على غرف ومجالس للاجتماعات، ضمن منظومة دفاعية متكاملة تعكس وعيًا عسكريًا متقدمًا بطبيعة الموقع.

وتتسم القلعة بتخطيط غير منتظم، وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 5600 متر مربع، ويبرز فيها الدرج الأبيض المرصوف بإحكام، والذي يُعد من آخر مراحل البناء قبل أكثر من قرنين.

دور عسكري وتأمين طرق التجارة
شكّلت قلعة زعبل في زمنها أحد أقوى الحصون الدفاعية في المنطقة، وأسهمت في حماية أهالي سكاكا خلال فترات الحروب والهجمات، إضافة إلى دورها في تأمين الطريق التجاري الحيوي الذي كان يربط العراق ببلاد الشام مرورًا بمنطقة الجوف.

ويضم سور القلعة فتحات صغيرة مدروسة استُخدمت للمراقبة الآمنة والتصدي للهجمات. وعلى خلاف بعض القلاع الأخرى، تفتقر القلعة إلى بئر داخلية، وهو ما قلل من قيمتها الدفاعية مقارنة بحصون كبرى، إلا أن هذا النقص عُوّض بإنشاء أحواض دائرية ملاصقة لجدرانها لحفظ المياه، إلى جانب حوض منحوت في ساحة القلعة لجمع مياه الأمطار، في دلالة على حلول معمارية تكيفت مع طبيعة الموقع الجبلية.

موقع استراتيجي ومنعة طبيعية
وتُعد قلعة زعبل، الواقعة شمال غربي مدينة سكاكا، من أقدم القلاع في الجزيرة العربية، وقد شُيّدت أساسًا كحصن حربي من الحجر الرملي والطين قبل أكثر من 400 عام، واستمر استخدامها عبر حقب تاريخية متعاقبة، وفق ما تشير إليه روايات المؤرخين ونتائج الحفريات الأثرية الحديثة.

وساهم تشييد القلعة على هضبة من الصخر الرملي، على ارتفاع يُقدّر بنحو 50 مترًا، في تعزيز مناعتها، وجعل الوصول إليها بالغ الصعوبة. وتشير دارة الملك عبدالعزيز إلى أن قلعة زعبل تُعد من أقوى القلاع الحربية من حيث التحصين والمنعة، وظلت تؤدي دورًا محوريًا في حماية سكاكا لفترات زمنية طويلة.

ترميمات متعاقبة وعناية مستمرة
وتوضح الكتابات التوثيقية أن القلعة شهدت عمليات ترميم وتجديد متكررة عبر تاريخها، إذ كانت تتعرض للهدم أو التخريب في حال سقوطها بيد المهاجمين، لمنع استخدامها مجددًا نظرًا لأهميتها الاستراتيجية. وأكدت دارة الملك عبدالعزيز أن القلعة حظيت في العهد السعودي باهتمام ورعاية مستمرة، حفاظًا عليها بوصفها إرثًا تاريخيًا ومخزونًا معرفيًا وثقافيًا.

الجوف مهد الاستيطان الأول
وتندرج أهمية قلعة زعبل ضمن السياق الحضاري الأوسع لمنطقة الجوف، التي تُعد – بحسب آراء مختصين في الآثار ومدونات استكشافية – من أقدم مناطق الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، حيث تشير الشواهد الأثرية إلى وجود الإنسان فيها قبل أكثر من 1.3 مليون عام، إلى جانب ما تضمه من قلاع وحصون ولقى أثرية متعددة.

معلم تاريخي وسياحي بارز
ولا تزال قلعة زعبل حتى اليوم أحد أبرز المعالم الأثرية في المملكة، ومعلمًا تاريخيًا وسياحيًا يجذب الزوار والمهتمين بتاريخ الجزيرة العربية، بما يعكس عمق الجوف الحضاري وإسهامها في تشكيل التاريخ الإنساني عبر العصور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى