من ليل عدن إلى مدرج أبوظبي.. القصة الكاملة لرحلة الهروب السرّية
لم تكن عدن في تلك الليلة تدرك أن بحرها الهادئ يخفي خلف موجه قصة هروب معقّدة، بدأت بصمت وانتهت على مدرج عسكري بعيد. بعد منتصف ليل السابع من يناير 2026، تحرّكت واسطة بحرية من ميناء عدن دون ضجيج، وعلى متنها شخصيات كانت حتى ساعات قليلة في قلب المشهد السياسي والأمني، يتقدمهم عيدروس الزبيدي، وبرفقته محافظ عدن السابق أحمد حامد لملس ووزير النقل السابق عبدالسلام حميد، اللذان صدرت قرارات بإقالتهما لاحقاً.

في عرض البحر، انقطعت الإشارات، وأُغلق نظام التعريف الآلي للواسطة البحرية BAMEDHAF، وكأن الرحلة قررت أن تمحو أثرها مبكراً. وجهتها لم تكن معلنة، لكن الساعات قادت القارب إلى ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال، حيث توقفت الرحلة البحرية عند حدود جديدة، وبدأ فصل أكثر حساسية في القصة.
هناك، انتقل المشهد من البحر إلى الاتصالات المغلقة. اتصال هاتفي واحد كان كفيلاً بفتح بوابة العبور الجوي. وفق المعلومات التي أعلنها المتحدث الرسمي باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، تواصل الزبيدي مع ضابط يكنى بـ«أبو سعيد»، ليتبيّن لاحقاً أنه اللواء عوض سعيد مصلح الأحبابي، قائد العمليات المشتركة الإماراتية، معلناً وصولهم إلى بربرة واستعدادهم للمرحلة التالية.
على مدرج المطار، كانت طائرة إليوشن IL-76 تنتظر. لم تُعلن وجهتها، ولم تُدرج الرحلة في مسار واضح. أقلعت الطائرة تحت إشراف ضباط إماراتيين، حاملةً معها ركاباً أصبحوا خارج المشهد العلني، لتتجه أولاً إلى مطار مقديشو، في توقف قصير بدا وكأنه محطة لالتقاط الأنفاس قبل العبور الأكبر.
مع الإقلاع مجدداً باتجاه الخليج العربي، أُغلق نظام التعريف الجوي فوق خليج عُمان، لتتحول الطائرة إلى نقطة غير مرئية في السماء. وبعد ساعات من الطيران الصامت، عاد النظام للعمل قبل الهبوط بدقائق، وكأن الرحلة أرادت أن تُسجَّل نهايتها فقط، لا بدايتها. عند الساعة 20:47 بتوقيت المملكة، لامست عجلات الطائرة مدرج مطار الريف العسكري في أبوظبي، معلنة نهاية الرحلة وبداية الأسئلة.
لكن القصة لم تتوقف هنا. مراجعة بيانات الواسطة البحرية كشفت أنها ترفع علم سانت كيتس ونيفيس، وهو العلم ذاته الذي سبق أن ورد في بيان رسمي للتحالف حول سفينة أخرى مرتبطة بنقل معدات عسكرية، ما أضاف طبقة جديدة من الغموض والتشابك إلى المشهد.
وفي الخلفية، بقيت أسماء أخرى في دائرة الضوء والظل. شخصيات قيل إنها كانت آخر من التقى بالزبيدي قبل مغادرته عدن، وعلى رأسهم محسن الوالي، قائد قوات الأحزمة الأمنية، حيث أكد تحالف دعم الشرعية أن الاتصالات انقطعت معهم، ولا تزال المتابعة جارية لكشف مصيرهم.
هكذا كُتبت قصة الهروب: بحر يُغلق إشاراته، سماء تُطفئ أجهزة التعريف، وطائرة تهبط أخيراً في وجهة محسوبة بدقة. رحلة لم تكن مجرد انتقال، بل فصل درامي كامل في مشهد سياسي وأمني مفتوح على احتمالات كثيرة.






