صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

أفكارك … تصنع قدرك

 

انتبه لأفكارك … لأنها ستصبح كلماتك
انتبه لكلماتك … لأنها ستصبح أفعالك
انتبه لأفعالك …  لأنها ستصبح عادتك
وانتبه لعادتك … لأنها ستصبح شخصيتك
وانتبه لشخصيتك … لأنها ستحدد مصيرك

 

ليست هذه الكلمات مجرد حكمة متداولة، بل قانون داخلي يحكم مسار الإنسان من حيث لا يشعر. فما نعيشه اليوم لم يولد فجأة، بل تَشكّل بهدوء في داخلنا؛ فكرةً تكررت، ثم كلمةً قيلت، ثم فعلًا اعتدناه حتى أصبح جزءًا منا. وقد لخّص ابن القيم رحمه الله هذا المسار بدقة حين قال:
«الفِكرة مبدأ الإرادة، والإرادة مبدأ الفعل، والفعل مبدأ العادة، والعادة تُكوِّن الخُلُق»،
فالمصير لا يأتي دفعة واحدة، بل يُصنع تدريجيًا من فكرة سُمِح لها بالبقاء.

 

وقد نبّه النبي ﷺ إلى خطورة هذا المسار حين قال:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في النار سبعين خريفًا»،
وفي المقابل قد ترفع كلمة صادقة صاحبها درجات دون أن يلتفت لثقلها، لأن الكلمة ليست صوتًا عابرًا، بل أثرًا ممتدًا.

 

وحين ننتبه للكلمات، فإننا في الحقيقة ننتبه لما يسبقها من أفكار. فالفكرة حين تُهمَل، تتحول إلى لغة داخلية تقود سلوكنا دون استئذان، ولهذا قال سقراط:
«انتبه لأفكارك، فهي التي تصنع أفعالك»،
لأن الفكرة التي لا تُراقَب لا تبقى فكرة، بل تتحول مع التكرار إلى كلمة، ومع الاستمرار إلى فعل.

 

وما إن تتحول الكلمة إلى فعل، حتى يبدأ البناء الحقيقي للشخصية. فالفعل المتكرر لا يبقى قرارًا واعيًا، بل يصبح عادة، والعادة تسكن فينا حتى نظنها جزءًا من طبيعتنا.

 

ومع الوقت، تتكوّن الشخصية بصمت؛ من طريقة التفكير، ومن الكلمات التي نسمح لها أن تخرج، ومن أفعال نكررها حتى تألفها أرواحنا. ثم تأتي اللحظة التي نظن فيها أن المصير هو الذي اختارنا، بينما الحقيقة أنه انعكاس طبيعي لشخصية صنعناها بأنفسنا.

 

وفي النهاية، الانتباه ليس توترًا ولا خوفًا من الخطأ، بل وعيٌ عميق بأن كل ما نهمله في الداخل سيطالبنا بثمنه في الخارج. فكرة واحدة قد تغيّر مسار حياة، وكلمة واحدة قد ترفع أو تهوي بصاحبها، وعادة صغيرة قد ترسم ملامح مصير كامل.
فطوبى لمن انتبه من البداية، وضبط أول الخيط… قبل أن يصل إلى آخر الطريق ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى