صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

الخذلان الذي بُني على الوعد ..

«ليس كل ما يُكسر يُرى، فبعض الكسور تسكن القلب طويلًا».

في الحياة، قد نغفر الخطأ ونتجاوز التقصير، لكن الوعد حين يُمنَح بلا قدرة على الوفاء، يتحوّل من طمأنينة مؤقتة إلى خذلانٍ عميق. لأن الوعد ليس كلمة تُقال، بل التزام أخلاقي وأثرًا حيًا في قلب من صدّق.

في أحد المشاهد المؤثرة، زوجان حُرما نعمة الإنجاب، قصدا دار الأيتام بحثًا عن قلبٍ صغير يمنحانه الدفء الذي افتقداه. تبنّيا طفلًا وربّياه، حتى صار الأمان بالنسبة له عالمًا كاملًا.

وحين بلغ الطفل الثالثة، شاء الله أن يُكرمهما بحملٍ طال انتظاره، فعادا إلى دار الأيتام لإعادة الطفل. لم يكن يفهم معنى التغيّر ولا منطق القرارات، بل كان يفهم شيئًا واحدًا: أن الأمان حين يُسحب فجأة يتحوّل إلى خوف. بكى وتشبّث، وقال ببراءة تقطع القلب:

«سأكون مطيعًا… فقط لا تتركني».

فالقلوب الصغيرة لا تطلب الكمال، بل الاستمرار.

تحت ثقل اللحظة، خلع الزوج خاتمه ووضعه في يد الطفل وقال:

«احتفظ به… سأعود يومًا لأجلك».

كان الوعد محاولة لتهدئة الألم أكثر من كونه قرارًا واعيًا، لأن الوعد الذي يُقال بدافع الشفقة قد يصبح عبئًا ثقيلًا على قلبٍ ينتظر.

غادرا، ومضت سبعة عشر عامًا. نسي الزوجان القصة، فالذاكرة تميل إلى نسيان ما لا يؤلمها. أما الطفل، فقد كبر وهو يحمل وعدًا واحدًا، لأن من تعلّق بالأمان لا ينساه، بل يكبر معه.

كبر الطفل، وصار شابًا، وكبر الخاتم معه حتى أصبح مقاسه تمامًا، وكأن الزمن أراد أن يُنضج الانتظار. وحين اكتمل، حمل الخاتم وذهب إلى الباب الذي لم يُفتح له يومًا.

لم يعرفوه. جلس، سرد قصته، ثم أخرج الخاتم وقال بهدوء أثقل من البكاء:

«الآن، بعد أن أصبح الخاتم مقاسي، جئت لأعيده. أنا وفيت، انتظرت طويلًا… وأنت لم تفِ بوعدك».

مدّا أيديهما ليحتضنه، لكن الندم حين يتأخر لا يُصلح ما انكسر، بل يكشف عمقه فقط. تراجع خطوة، وقال:

«الآن… قد فات الأوان».

ليست القسوة في الرفض، بل في الوعد الذي لم يُحترم. فبعض الأبواب إن لم تُغلق في وقتها، لا تعود تُجدي حين تُفتح متأخرة. لذلك، ليس كل شعور يستحق وعدًا، ولا كل لحظة ضعف تُبرّر كلمة.

همسة أمل ..

تأنَّ قبل أن تعد، فالوعد ليس ما نقوله، بل ما نستطيع أن نحمله معنا حتى النهاية. فالخذلان الأكبر… هو ذاك الذي يُبنى على وعد.

وكما قال الله تعالى:

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]

فالوفاء بالوعد ليس مجرد أخلاق، بل مسؤولية تجاه قلوب الآخرين. ومن يحمي وعوده، يحمي القلوب من الكسر  ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى