صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

هل تعيش حياتك… أم تكررها ؟

كثيرون يعيشون حياتهم داخل فكرة، لا داخل حقيقة.

فكرة تشكّلت في وقت مبكر، ترسّخت مع التجربة، واستمرّت بفعل الخوف والتكرار، حتى أصبحت وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة. ومع مرور الوقت، لا يعود الإنسان يميّز بين ما اختاره بوعيه، وما اعتاده دون انتباه.

 

حين نعيش على فكرة لا على حقيقة، نتحول — دون أن نشعر — إلى صناديق مغلقة تعيد إنتاج نفسها؛ نكرر السلوك ذاته، ونمضي في المسارات نفسها، ونعود إلى النتائج ذاتها، لا لأننا نرغب بذلك، بل لأن الخروج يتطلب شجاعة المواجهة، ومساءلة الذات بصدق.

 

وهنا تتجلّى الفكرة التي عبّر عنها الدكتور يوسف الحسيني بقوله:

 

«لتحيا على حقيقة لا على فكرة،
وحتى لا تكون صندوقًا يعيد إنتاج نفسه،
وحتى تكون نسخة مختلفة… كن نفسك.»

 

هذه العبارة لا تدعونا للاختلاف من أجل الاختلاف، بل تدعونا إلى العودة للأصل؛ إلى الذات قبل أن تُشكَّل، وإلى الحقيقة قبل أن تُغطّى بالأفكار الجاهزة.

 

إن أخطر ما في العيش داخل فكرة غير واعية، أنها لا تظل حبيسة الداخل، بل تمتد آثارها لتؤثر في اختيارات مصيرية؛ كاختيار التخصص الدراسي، والمسار المهني، ونوعية العلاقات، وحتى طريقة اتخاذ القرار في التفاصيل اليومية. فيصبح الإنسان أسير قناعات لم يفحصها، وقرارات لم يراجع دوافعها، فيعيش حياة قد تكون ناجحة في ظاهرها، لكنها بعيدة عن روحه.

 

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل، من لحظة الوعي الأولى التي يسأل فيها الإنسان نفسه: هل ما أعيشه نابع مني… أم مفروض عليّ دون إدراك؟

 

ومن منظور نفسي، يعبّر كارل يونغ عن هذه الحقيقة بقوله:

 

«ما لم نُواجهه في وعينا، سيعود ليظهر في حياتنا على شكل قدر.»
فما نتهرب من مواجهته داخلنا، نُجبر على عيشه مكررًا في الواقع.

 

أن تحيا على حقيقتك لا يعني أن تكون الحياة أسهل، بل أن تكون أكثر صدقًا. فالحقيقة قد تكون مؤلمة في بدايتها، لكنها محرِّرة في مآلاتها، بينما الفكرة الموروثة قد تكون مريحة مؤقتًا، لكنها تستهلك العمر بصمت.

 

النسخة المختلفة ليست تلك التي تعارض كل شيء، بل تلك التي تفهم نفسها بعمق، وتختار بوعي، وتتحمل مسؤولية قرارها، وتدرك أن النضج ليس في كثرة التغيير، بل في صدقه.

 

وفي النهاية، أن تكون نفسك ليس تمرّدًا، ولا خروجًا عن المألوف لمجرد الخروج، بل هو أعلى درجات الشجاعة؛
أن تعيش كما أنت، لا كما كان يُفترض بك أن تكون،
وأن تحيا على حقيقة… لا على فكرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى