مقالات
خريف الحياة ..

حين تمضي الحياة كخريفٍ هادئ
لن يكون عمرك كلّه ربيعًا؛ ستتناوب عليك الفصول الأربعة، تلسعك حرارة الخيبات، وتتجمّد في صقيع الوحدة، وتتساقط بعض أحلامك اليابسة كأوراقٍ أنهكها الانتظار… لكنّك ستُزهر من جديد..
تمرّ بنا الفصول، كما تمرّ بنا مراحل الحياة، لكل فصل لونه ودرسه، حتى نصل إلى الخريف؛ ذلك الفصل الذي لا يعلن حضوره فجأة، بل يتسلّل بهدوء عبر تغيّر الألوان وتبدّل الأوراق، كأنه يهيّئنا لما هو قادم.
في الخريف، لا تسقط الأوراق عبثًا، ولا يتبدّل شيء صدفة. كل سقوط يحمل معنى، وكل نهاية دعوة للتأمّل والمراجعة. يعلّمنا أن التخفّف ليس خسارة، وأن بعض الرحيل ضرورة، وأن الحكمة تبدأ حين نفهم توقيت الأحداث.
هناك أمور تظهر لتؤدّي دورها ثم تمضي، ليس لأنها فشلت، بل لأنها أنهت رسالتها. وأخرى تستمر لأن جذورها أعمق من العابر. وبعض البدايات، لو علمنا، كان الأفضل لها ألا تبدأ، لا لسوءها، بل لأن وقتها لم يكن لنا.
«ما جاء في وقته اكتمل، وما استعجلناه انكسر.»
«ليست كل بداية نعمة، بعض البدايات درس.»
الخريف لا يُضعف الشجرة، بل يُخفّفها. ونحن كذلك؛ نتخلّص من علاقات أثقلت أرواحنا، وأفكار لم تعد تخدم نمونا، وأحلام تغيّرت معنا. نحزن أحيانًا، ليس على الرحيل نفسه، بل على النسخة التي كناها حين كان حاضرًا.
«نحن لا نشتاق لما غادر، بل لمن كنّا عليه معه.»
الخريف فصل وعي، لا فقدان. فيه نتعلّم القبول، ونكتشف أن الفراغ ليس تهديدًا، بل مساحة للنمو وإعادة التشكّل. نسقط أوراق حياتنا بسلام حين نعترف بما أثقلنا، ونتخلّى عمّا لم يعد لنا، ونتقبّل الرحيل كجزء من التوازن.
«السلام لا يأتي حين نتمسّك بكل شيء، بل حين نعرف متى نترك.»
ثم يأتي الاستعداد للنمو؛ فالخريف ليس جمودًا، بل تهيئة. نمنح أنفسنا الوقت، ونحترم الصمت والعزلة، فالعقل، كالجذور، يحتاج إلى سكونٍ ليقوى.
«النضج… أن تعرف متى تبدأ، ومتى تستمر، ومتى ترحل.»
والخريف يعلّمنا أن ما أنهكه الحمل، يُسقطه ليجعلنا أقوى.
همسة أمل:
وستمضي حياتنا كخريفٍ هادئ، لا لتفقدنا، بل لتعيدنا إلى جوهرنا، حيث تبدأ البدايات الأجمل ..






