بين الطيبة والوعيي ..أين نضع قلوبنا؟

في لحظة وعيٍ ناضجة، ندرك أن القلوب ليست أبوابًا مفتوحة على الدوام، ولا مساحاتٍ عامة يدخلها من شاء ويغادرها متى شاء. القلب مقام، ومنزلة، وموضع أمان، لا يليق به إلا من عرف قدر المكان الذي وُضع فيه. فليس كل من اقترب كان صادقًا، ولا كل من ابتسم حمل نية البقاء، ولا كل من قال أحبّ كان أهلًا للاحتواء.
تعلّمنا التجارب، غالبًا بعد أثمانٍ باهظة، أن الطيبة وحدها لا تكفي لبناء علاقة آمنة، وأن حسن الظن إن لم يُرافقه وعي، قد يتحوّل إلى بابٍ للأذى. قال جلال الدين الرومي: «لا تضع قلبك في يدٍ لا تعرف كيف تُمسك به»، فالقلب حين يُمنح بلا تقدير، يُستنزف بلا رحمة.
ليست المشكلة في العطاء، بل فيمن لا يعرف قيمة ما يُعطى. فكم من شخصٍ أُعطي أكثر مما يستحق، فتمادى، وكم من قلبٍ صان الودّ بصمت لأنه أدرك أن المشاعر أمانة لا تُستهان. ويقول محمود درويش: «نحن لا نحب حين نختار، بل حين نُختار بحب»، فالاختيار الحقيقي لا يكون اندفاعًا، بل وعيًا متبادلًا ومسؤولية صادقة.
القلب الذي يعرف قدر نفسه لا يُكثر التبرير، ولا يطيل الوقوف على الأبواب المغلقة، ولا يقايض كرامته بالبقاء. يضع حدوده بهدوء، ويمضي حين يشعر أن وجوده لم يُحترم. فالحدود ليست قسوة، بل شكلٌ ناضج من أشكال الرحمة بالنفس.
لذلك لا عجب أن لا تتشابه القلوب، ولا تتوافق جميعها. فبعض القلوب خُلقت لتُجاور الروح، وأخرى لا تُحسن إلا المرور العابر. الحكمة أن نُفرّق بين من يستحق السكن، ومن يكفيه العبور.
همسة أمل..
احفظ قلبك، فهو ليس ساحة تجارب، ولا محطة انتظار. ليس في تقليل الدوائر خسارة، ولا في رفع المعايير قسوة، بل في ذلك سلام داخلي ونقاء روح. امنح قلبك لمن يليق به، ودع ما لا يشبهك يمضي دون صراع. فالأجمل دائمًا لا يأتي صدفة، بل حين نُحسن الاختيار ونثق أن ما كُتب لنا سيصل في وقته، وبالقلب الذي يستحق.






