مقالات
فخّ الانتظار يؤجّل الحياة …

هناك فخّ خفي لا ننتبه له، لكنه يستنزفنا بصمت. لا يُرهق الجسد بقدر ما يُثقّل الروح، ولا يُرى بالعين، لكن آثاره تظهر في أعمار تمضي ونحن واقفون في المكان نفسه.
ننتظر الوقت المناسب، والظرف المثالي، والفرصة التي “لم تكتمل بعد”، وبين هذا الانتظار تمرّ الأيام وتبهت الأحلام، وتصبح الحياة مؤجَّلة إلى إشعار لا يأتي.
يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“الفرصة تمرّ مرّ السحاب، فانتهزوا فرص الخير.”
فالزمن لا يتوقّف احترامًا لتردّدنا، والعمر لا ينتظر حتى نطمئن تمامًا. كثيرًا ما نخسر أعمارنا، لا بقسوة الأيام، بل بعادة التأجيل التي نُحسن تبريرها لأنفسنا.
الانتظار ليس خطأً في أصله، فبعض الأمور تحتاج صبرًا ونضجًا، لكن المشكلة تبدأ حين يتحوّل إلى أسلوب حياة نهرب به من مواجهة الحاضر. نؤجّل الفرح حتى تتحسّن الظروف، ونؤجّل الخطوة حتى يزول الخوف، ونؤجّل البداية حتى نشعر أننا جاهزون بالكامل، وكأن الجاهزية الكاملة ستأتي يومًا بلا نقص. ويقول ابن القيم رحمه الله:
“إضاعة الوقت أشدّ من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.”
فخّ الانتظار يحرمنا من الاستمتاع باللحظة، يجعل أعيننا معلّقة بالغد وقلوبنا غائبة عن اليوم. ننسى أن اللحظة التي نعيشها الآن هي الحياة نفسها. ويقول جبران خليل جبران:
“أمس انتهى، وغدًا لم يولد بعد، وليس لنا إلا اليوم، فلنبدأ.”
ما نحمله في قلوبنا من أحلام لا يحتاج إلى معجزة كي يبدأ، بل يحتاج قرارًا صادقًا وشجاعة بسيطة. لكننا نبالغ في انتظار الكمال، وننسى أن الكمال وهم. ويقول محمود درويش:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة.”
والحياة التي تستحق أن تُعاش لا تنتظر اكتمال المشهد، بل تُعاش وسط النقص، وبين المحاولات، وفي قلب التجربة نفسها.
نحن لا نملك الغد كما نتصوّر، ولا نضمن أن الظروف ستصبح كما نخطّط. ما نملكه حقًا هو هذا اليوم، هذه اللحظة، هذا النفس الذي يتحرّك في صدورنا الآن. وكل مرة نؤجّل فيها الحياة، نمنح الانتظار سلطة على أعمارنا، ونسمح له أن يسرق منا ما لا يُعوَّض.
همسة أمل:
الحياة لا تُعاش على الهامش، ولا تُؤجَّل إلى إشعار آخر. ،بل تعاش بما فيها من نقص وتردّد ومحاولات غير كاملة. لا تنتظر أن تصبح الظروف مثالية كي تبدأ، ولا تؤجّل فرحك حتى يكتمل المشهد. ابدأ من حيث أنت، وبما تملك، ودع أيامك تمتلئ بالحركة والحضور لا بالترقّب… فالعمر يُقاس بما عِشناه، لا بما أُجِّل، ونحن لا نؤجّل الحياة لنصبح سعداء، بل نعيشها لنشعر أننا على قيد الحياة.






