ماذا خلف البريق؟

ليس كل ما يلمع ذهبًا…
فبعض اللمعان لا يصدر من نورٍ داخلي، بل من احتكاكٍ مؤلم بين ضعفٍ خفي وكبرياءٍ مصطنع. هناك من يبدو واثقًا، حاضرًا، منتصرًا… لكن بريقه يتغذّى على لحظات سقوط غيره. يبتسم حين يتعثر الآخر، ويشعر بالارتفاع حين يرى من حوله ينحني.
من يلمع على كسور الآخرين لا يملك نورًا حقيقيًا؛
إنه يقف فقط تحت ضوء سقوطهم ليبدو أكثر إشراقًا. يصنع بريقه من شروخ القلوب، ويظن أن ارتفاعه يبدأ من انحناء غيره. لا يحتمل نجاحًا لا يملكه، ولا يقوى على مواجهة نقصه، فيحوّل ألم الآخرين إلى وسيلة تعويض مؤقتة لفراغٍ داخلي عميق.
تحدّث عالم النفس كارل يونغ عن “القناع” الذي يرتديه الإنسان ليخفي هشاشته الداخلية، مشيرًا إلى أن الإفراط في التمسك بالصورة الخارجية قد يكون محاولة للهروب من مواجهة الذات. فبعض من يُظهرون قوةً مبالغًا فيها لا يفعلون ذلك لأنهم أقوياء فعلًا، بل لأنهم يخشون انكشاف ضعفهم.
كما أشار ألفرد أدلر إلى أن الشعور بالنقص قد يدفع الإنسان إلى ما سمّاه “التعويض المبالغ فيه”، حيث يحاول الفرد تغطية إحساسه الداخلي بالعجز عبر سلوكيات استعراضية أو تسلطية. ومن هنا يمكن فهم أن من يسعى إلى تصغير غيره لا يبحث عن انتصار حقيقي، بل عن توازنٍ زائف يعيد إليه شعورًا مفقودًا بالقيمة.
لكن الأذى — حتى وإن كان صادرًا عن ضعف — يظل أذى. الكلمات الساخرة، والمقارنات المستترة، ومحاولات التقليل المتكررة، تترك أثرًا نفسيًا يتراكم بصمت. لذلك يصبح الوعي ضرورة؛ الوعي بأن سلوك الآخر انعكاس لداخله، لا تعريف بقيمة من يتعرض له.
القوة الحقيقية هادئة.
لا تحتاج إلى شاهدٍ مهزوم لتثبت وجودها،
ولا تستمد نورها من ظلام غيرها.
من يعرف قيمته لا يسرق لحظة ضوءٍ من أحد، بل يصنع نوره من داخله. ومن تصالح مع ضعفه لا يخاف من قوة غيره. أما من يلمع على كسور الآخرين، فسيبقى رهينة لمعانٍ مؤقت، يخبو كلما توقّف سقوط من حوله.
همسة أمل:
الضوء الحقيقي لا يحتاج إلى إطفاء أحد ليُرى، والقيمة الصادقة لا تُبنى فوق أنقاض الآخرين …






