صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

قناع الهدوء..

 

ليست القوة دائمًا ذلك الصوت المرتفع، ولا ذلك الحضور الصلب الذي لا يهتز. أحيانًا تكون القوة صمتًا ثقيلاً نحمله كي لا نُقلق من حولنا، وهدوءًا متقنًا نرتديه حتى لا نكشف ما تعصف به أرواحنا. قيل إن أقسى المعارك هي تلك التي نخوضها في داخلنا دون أن يراها أحد، وربما لهذا تبدو بعض الوجوه مطمئنة… بينما قلوبها تخوض حربًا صامتة.

 

نمرُّ بمواقفٍ تجعل أفئدتنا تنفطر، لكننا نتماسك. لا لأننا لا نشعر، بل لأننا أصبحنا الركيزة. هناك من يستند علينا، من يرى في ثباتنا أمانًا، ومن يتعلّق باتزاننا كي لا يسقط. وكأن أدوار الحياة اختارت لنا موقع الدعامة، لا خيارًا بل مسؤولية.

 

نرتدي قناع الهدوء، لا تزييفًا، بل حفاظًا على توازن من حولنا. نصمت لأن الكلمات قد تُربك من يعتمد علينا، ونبتلع الألم لأن انكسارنا قد يُضعف غيرنا. إن الألم يعلّمنا ما لا تعلّمه الراحة، ويكشف لنا أعماقًا في ذواتنا لم نكن نعرفها. لذلك أصبحنا أكثر وعيًا، وأكثر عمقًا… لأننا دفعنا ثمن هذا الوعي من مشاعر استُنزفت، ومن دموعٍ تأجلت.

 

لسنا حجرًا، ولسنا بلا قلب. نحن فقط تعلّمنا أن نُحسن إدارة وجعنا. أن نبتسم حين يجب أن نبتسم، وأن نؤجل الانهيار إلى وقتٍ لا يرانا فيه أحد. نطلب الصبر لا لأننا ضعفاء، بل لأننا ندرك أن الصبر هو الوجه الآخر للقوة الحقيقية، وأن الثبات لا يعني الجمود، بل الاستمرار رغم العاصفة.

 

غير أن الحقيقة التي لا ينبغي أن نغفلها: أن الركائز أيضًا بشر. نحتاج إلى سند، إلى لحظة ضعف آمنة، إلى مساحة نخلع فيها القناع دون خوف. فالقوة لا تعني غياب الألم، بل القدرة على السير رغم ثقله… لكنها لا تعني أن نهمل أنفسنا أو نؤجل احتياجات أرواحنا إلى ما لا نهاية.

 

فالهدوء الذي يراه الآخرون اتزانًا، قد يكون في داخله ضجيجٌ لم يُسمح له بالخروج. والثبات الذي يُشاد به أحيانًا، قد يكون نتيجة معارك خضناها وحدنا، دون شهود، ودون تصفيق. لا أحد يعلم كم كلّفنا هذا الهدوء… كم مرة ابتلعنا الغصة، وكم مرة أرجأنا انهيارًا، وكم دمعة اخترنا أن تبقى حبيسة أعيننا كي لا نقلق قلبًا يستند علينا.

 

لسنا أقوياء لأننا لا نتألم، بل لأننا تألمنا بصمت، واخترنا أن نحمي غيرنا من ثقل ما نحمله. ومع ذلك، نتعلم أن نحمي أنفسنا أيضًا، وأن نمنحها ذات الرفق الذي نمنحه للعالم، لأن القلوب التي تسند الجميع… تستحق أن يُسندها أحد.

 

همسة أمل:
ليس كل هادئٍ بخير… وبعض الصمت بطولة لا يراها أحد. وإن رأيت شخصًا ثابتًا دومًا، فتذكّر: قد يكون دفع ثمن هذا الثبات أكثر مما تتخيّل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى