صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

“الزواج” ميثاق العمر وحصن المجتمع

في زحمة الحياة وتسارعها، وبين ضغوط العمل وطموحات الفرد، يبقى الزواج واحداً من أعظم القرارات الإنسانية وأكثرها تأثيراً في تشكيل الفرد والمجتمع. إنه ليس مجرد علاقة اجتماعية عابرة، ولا عقداً شكلياً تُستَوفى به الشروط، بل هو ميثاق غليظ، وبناء حضاري، ومشروع استقرار نفسي وروحي وأخلاقي.

عندما نتأمل في النصوص الشرعية نجد أن الإسلام لم يتعامل مع الزواج باعتباره شأناً شخصياً بحتاً، بل كركيزة من ركائز العمران الإنساني. يقول الله تعالى:“ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة”. وقد حثّ النبي ﷺ على الزواج في الحديث الصحيح “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج…”.

إن الزواج ليس فقط إشباعاً لحاجة، بل تنظيم للحياة، وصيانة للأخلاق، وبناء للأجيال. فالزواج هو الخلية الأولى في جسد المجتمع، ومن خلاله تتشكل الهوية الأسرية، والاستقرار النفسي للأفراد، والتربية المتوازنة للأبناء، والترابط الاجتماعي الممتد بين العائلات.

إن المجتمعات القوية لا تُقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية، بل بصلابة بنيتها الأسرية. فالمجتمع الذي تضعف فيه مؤسسة الزواج، يبدأ فيه التفكك الأسري، ويزداد فيه الشعور بالوحدة، وتختل فيه أنماط العلاقات. والأسرة ليست مجرد تجمع أفراد، بل هي المدرسة الأولى للقيم والانضباط والمسؤولية.

في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة العزوف عن الزواج بين الشباب والفتيات، وذلك لأسباب متعددة مثل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، المبالغة في متطلبات الزواج، الخوف من الفشل، الطموح المهني أو الحرية الفردية وغيرها.

لا يمكن إنكار أن بعض هذه الأسباب واقعي، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التأجيل المؤقت إلى موقف فكري دائم ضد الزواج ذاته. فعندما تتسع دائرة العزوف فسوف تظهر آثار عميقة مثل ارتفاع معدلات الوحدة والاكتئاب، ضعف البنية الأسرية المستقبلية وانخفاض معدلات الإنجاب، واختلال التوازن الاجتماعي بين الأجيال.

إن الزواج ليس حياة وردية خالية من التحديات، بل هو مسؤولية، وتضحية، ونضج. لكنه في الوقت ذاته شراكة نمو، فالإنسان لا يكتمل بالزواج من حيث الكرامة أو القيمة، لكنه يكتمل به من حيث التجربة الإنسانية العميقة في المشاركة والعطاء.

الزواج ليس تقليداً إجتماعياً عتيقاً، ولا ضغطاً ثقافياً، بل هو سنة كونية، وتشريع رباني، وحاجة فطرية. والمجتمع الذي يحسن صيانة مؤسسة الزواج، إنما يحمي مستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى