مقالات
بين العثرة والنهوض ..

تمر بنا الحياة بمحطات متعددة، بعضها هادئ وبعضها صاخب، لكنها جميعًا تحمل تحديات تجعلنا أمام خيارات مصيرية: هل نستسلم لليأس، أم ننهض من جديد؟ كثيرًا ما نجد أنفسنا وسط معترك يختبر صبرنا وإرادتنا، وقد نغرق أحيانًا في التفكير بمواطن ضعفنا، لكن الحقيقة أن القوة لا تُولد من الكمال، بل من القدرة على النهوض بعد كل عثرة.
علينا أن نتذكر كم مرة مررنا بمواقف ظننا أنها تفوق طاقتنا، ثم اكتشفنا بعد عبورها أننا أصبحنا أقوى مما كنا. كل عثرة كانت درسًا خفيًا، وكل ألم ترك فينا أثر صلابة لا نراه إلا بعد أن نتجاوز التجربة. وكما قيل: “الشدائد تصنع الرجال، وتكشف معادن النفوس.” و**”ليس الشجاع من لا يسقط، بل الشجاع من ينهض بعد كل سقوط.”**
غير أن القوة الحقيقية لا تأتي من الذات وحدها، بل من العودة الصادقة إلى الله عز وجل. ففي لحظات الضيق والهم، يكون القلب بحاجة إلى السند الذي يربطه بالسماء، فتأتي الطمأنينة والسكينة. يقول الله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، ويقول أيضًا: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. فالعودة إلى الله ليست مجرد ملجأ عند الشدائد، بل هي مصدر القوة الحقيقي الذي يمدنا بالقدرة على الصمود والنهوض.
وقد قال ابن القيم: “في القلب فاقةٌ لا يسدها إلا الإقبال على الله.”، وقال ابن تيمية: “ما يصنع أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري.”، وقال جلال الدين الرومي: “الجراح هي المكان الذي يدخل منه النور.”، وهذه الأقوال تؤكد أن كل تجربة صعبة وكل ألم نمر به ليس عبثًا، بل هو وسيلة لإيقاظ القوة الداخلية وزيادة النضج والوعي.
حين نتأمل تجاربنا السابقة، نكتشف أن كل سقوط كان فرصة للنهوض، وأن كل عثرة علّمتنا الصبر، وأن كل تجربة صعبة كانت بوابة لخلق قوة داخلية لم نكن ندركها من قبل. والقوة هنا ليست مجرد قدرة على مواجهة المصاعب، بل يقين بأن الله معنا دائمًا، وأن كل عسر يعقبه يسر، وأن كل موقف صعب يحمل في طياته درسًا وقوة جديدة.
همسة أمل:
حين تواجهك الحياة بعثراتها، لا تنظر إلى ضعفك بل إلى رحمة الله التي رافقتك في كل مرة، وإلى القوة التي اكتسبتها عبر التجارب. فالقلب الذي يعرف طريقه إلى الله لا يضل طريق القوة أبدًا، ومن يعتصم بالله يجد في داخله القدرة على النهوض مهما كثرت العثرات ..





