صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

“ارفع كلماتك، لا صوتك… فالمطر الذي ينبت الزهر، لا الرعد.”

عبارة سينمائية:
في قلبك الذي لم تنطق به، كان الله يعلم صدقك… فطمأنك بمن لا يحتاج أن يشرح نفسه لك.
في العلاقات، لا تبدأ الحقيقة بالكلمات، بل تنتهي بها… الكلمات تأتي متأخرة دائماً، كأنها محاولة يائسة للحاق بشيءٍ سبقها وفضحها. لذلك، حين يقول لك أحدهم: “أنا قوي”… فاعلم أن القوة الحقيقية قد انسحبت من خلف الجملة خجلاً، وتركته وحيداً يواجه صدى صوته.
القوي… لا يتحدث عن قوته، لأنه مشغول بها. مشغول بترميم نفسه، بحمل الآخرين دون أن يشعرهم بثقله، وبالمرور من الألم كأنه لم يكن. ستراه في هدوئه الصادق، لا في ضجيجه. ستجده في ثباته حين يتغير الجميع، لا في محاولاته لإقناعك أنه مختلف.
وهنا تبدأ المفارقة الساخرة التي نعيشها كل يوم… أكثر الناس حديثاً عن الصدق، أكثرهم إرباكاً في الأفعال. وأكثرهم طلباً للثقة، أكثرهم هشاشةً في المواقف. كأن الكلمات عند البعض ليست وسيلة تعبير… بل وسيلة تعويض.
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3] ليست الآية توبيخاً فحسب… بل كشفٌ عظيم لجوهر العلاقات الإنسانية. أن تقول ما لا تفعل… هو خلل في الداخل قبل أن يكون خداعاً للخارج. والله جل جلاله، المتفرد بالكمال، لا تخفى عليه خفايا القلوب، بل يفضح الزيف برفق، ويهدي الصادقين إليه بهدوء.
وفي الحديث الشريف، قال رسول الله ﷺ:
«آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»
رواه البخاري ومسلم.
لاحظ… لم يقل: إذا قال “أنا صادق” فهو صادق، بل جعل العلامة في الفعل، في السلوك، في المواقف التي لا تُرتَّب مسبقاً.
ويحكي التاريخ الإسلامي قصةً صامتة، لكنها أبلغ من آلاف الخطب. حين جاء رجل إلى أحد السلف الصالح – ويُروى أنه كان من تلاميذ الحسن البصري – وقال له: “يا شيخ، كيف أعرف من أثق به؟”
فقال له بهدوء العارف: “لا تنظر إلى كثرة كلامه، ولكن انظر إلى ثباته حين تختلف معه، وإلى وفائه حين تغيب عنه، وإلى أمانته حين لا يراك.”
لم يكن هذا جواباً… بل كان ميزاناً. ميزاناً دقيقاً لا يختل، لأن أصله قائم على فطرةٍ أودعها الله في النفوس، فتعرف الصادق وإن سكت، وتشك في الكاذب وإن أقسم.
وفي زماننا، تتكرر القصة لكن بوجوه مختلفة. شابٌ وثق بصديقٍ كان يملأ يومه بالوعود والكلمات الكبيرة… “أنا معك دائماً”، “اطمئن”، “لن أتركك”. ثم جاءت لحظة الاختبار، فاختفى الصديق كأن الكلمات كانت مجرد دخان. وفي المقابل، كان هناك شخصٌ آخر، قليل الكلام، لا يعد كثيراً، لكنه حين احتاجه… وجده. لم يقل “ثق بي”… لكنه جعله يثق به دون أن يطلب.
هنا فقط… يفهم الإنسان أن الطمأنينة ليست جملة، بل شعور يخلقه الله في القلب. وأن الأمان ليس وعداً، بل سكينة يزرعها الله في حضور بعض الناس. فالله، الواحد الأحد، هو الذي يؤلف بين القلوب، وهو الذي يكشف لك الصادقين دون ضجيج، ويصرف عنك الزائفين ولو تزينوا بالكلام.
يقول الفيلسوف أرسطو، في حكمةٍ تتسلل إلى أعماق التجربة الإنسانية: “نحن ما نفعله مراراً، لذلك فالتميز ليس فعلاً، بل عادة.”
ويهمس جلال الدين الرومي بروحه الشفافة: “ارفع كلماتك، لا صوتك… فالمطر هو الذي ينبت الزهر، لا الرعد.”
كم تبدو هذه الأقوال بسيطة… لكنها تقلب مفاهيم كاملة. نحن لا نُخدع لأن الآخرين بارعون… بل لأننا أحياناً نحب الكلمات الجميلة أكثر من الحقائق الصامتة.
وهنا تأتي لمسة الرحمة الإلهية… أن الله لا يترك عباده فريسة للزيف. بل بلطفه العظيم، يهديك إلى من يشبه صدقك، ويبعد عنك من لا يحتمل وضوحك. قد تتأخر الرؤية، وقد تختلط عليك الوجوه، لكن في النهاية… ينجلي كل شيء، لأن الله هو الحق، وما كان منه لا يضل ولا يضيع.
القوي لا يقول “أنا قوي”… لأنه يعلم أن القوة رزق من الله، يُحفظ بالشكر لا بالتباهي.
الصادق لا يقول “صدقني”… لأنه يخشى أن يكون في قوله تزكية لنفسه، والله أعلم به منه.
والواثق لا يطلب منك أن تثق به… لأنه يعرف أن الثقة تُبنى، لا تُطلب.
أما الذي يكرر… ويؤكد… ويُقسم… فغالباً لا يحاول إقناعك أنت، بل يحاول إسكات شكٍ داخله. وهذه هي المفارقة التي تجعلنا نبتسم أحياناً بسخرية مريرة… كم من كلماتٍ عظيمة، كانت مجرد ستارٍ رقيق، سقط عند أول ريح.
وفي النهاية… لا تبحث كثيراً عمّن يقول لك الحقيقة، بل ابحث عمّن يجعلك تشعر بها دون أن يتكلم. فذلك هو الإنسان الذي حفظه الله لك، واصطفاه ليكون في طريقك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى