واشنطن تلوّح بالاتفاق وطهران تنفي التفاوض.. تناقض التصريحات يفتح باب الصفقة تحت ضغط الحرب

فتحت التصريحات المتضاربة بين واشنطن وطهران، الاثنين، نافذة سياسية ضيقة في قلب مشهد عسكري شديد الاشتعال، بعدما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن محادثات “جيدة وعظيمة” مع إيران، في وقت سارعت فيه طهران إلى نفي إجراء أي تفاوض مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية. وتأتي هذه المواقف المتعارضة في توقيت بالغ الحساسية، بعد قرار أميركي بتأجيل ضربات كانت تستهدف بنية الكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام، بما يعكس أن مساحة المناورة الدبلوماسية لم تُغلق بالكامل رغم دخول المواجهة أسبوعها الرابع.
وقال ترامب إن طهران تريد التوصل إلى تسوية، مؤكدا وجود فرصة “جيدة جدا” لبلوغ اتفاق، ومشيرا إلى أن اتصالات تمهيدية بدأت ليل السبت، وأن هذه الجولة قد تفضي إلى تفاهم أوسع يتجاوز مجرد وقف التصعيد العسكري. كما ربط الرئيس الأميركي أي مسار تفاوضي بتخلي إيران عن امتلاك سلاح نووي، وبإخراج المواد النووية من إيران، وهو ما يضع سقفا تفاوضيا مرتفعا يعكس رغبة واشنطن في تحويل المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية أكثر استدامة.
في المقابل، جاء الرد الإيراني حاسما في الشكل، لا في إغلاق الباب نهائيا. إذ نفى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إجراء أي مفاوضات مع واشنطن، معتبرا أن الحديث عن ذلك يدخل في إطار “الأخبار المزيّفة” الهادفة إلى التلاعب بالأسواق والنفط، بينما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده تلقت رسائل من “دول صديقة” بشأن طلب أميركي لمباحثات ترمي إلى إنهاء الحرب، لكنه شدد على عدم حصول أي تفاوض فعلي منذ اندلاعها. وهذا التمايز في الخطاب الإيراني يوحي بأن طهران تحاول الفصل بين نفي التفاوض القائم فعلا، والإبقاء على قنوات الرسائل والوساطات مفتوحة من دون تقديم اعتراف سياسي مجاني لواشنطن.
اللافت أن لغة ترامب بدت هذه المرة أقل اندفاعا نحو الحسم العسكري وأكثر ميلا إلى استثمار الضغط الميداني في فرض تسوية. فقراره تأجيل استهداف منشآت الكهرباء الإيرانية، قبل ساعات من مهلة كان يُخشى أن تدفع المنطقة إلى تصعيد أوسع، كشف أن الإدارة الأميركية لا تزال ترى في التهديد أداة تفاوض، لا مقدمة حتمية لضربة شاملة. وقد انعكس ذلك سريعا على الأسواق، إذ هبطت أسعار النفط وارتفعت الأسهم الأميركية، في إشارة إلى أن المستثمرين قرأوا الرسائل الأميركية باعتبارها انحيازا مؤقتا إلى التهدئة المشروطة.
ومن الجانب الإسرائيلي، بدت الصورة أكثر براغماتية من الخطاب التقليدي الرافض لأي اتفاق مع طهران. فقد قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن أي اتفاق محتمل يجب أن يحافظ على المصالح الحيوية لتل أبيب، موضحا أن ترامب يرى إمكانية توظيف ما تحقق في الحرب ضمن صفقة سياسية، لكنه شدد في الوقت نفسه على مواصلة الضربات ضد إيران ولبنان. هذا الموقف يكشف أن إسرائيل لا تريد الظهور في موقع المعطل لمسار تفاوضي قد يكرس بعض أهدافها، لكنها في المقابل تسعى إلى التأكد من أن أي تفاهم لن يتحول إلى هدنة مجانية تعيد لطهران التقاط أنفاسها من دون أثمان استراتيجية.
وعمليا، لا يبدو التناقض بين رواية ترامب ونفي طهران دليلا قاطعا على غياب المسار السياسي، بقدر ما يعكس طبيعة المفاوضات التي تولد عادة في الظل وتدار عبر الوسطاء والرسائل المتبادلة قبل أن تنتقل إلى العلن. فالإدارة الأميركية تحتاج إلى إظهار أن الضغط العسكري أتى بنتيجة، بينما تحتاج إيران إلى نفي التفاوض المباشر حتى لا تبدو وكأنها استجابت تحت النار. وبين الحاجتين، تتشكل منطقة رمادية قد تكون في حقيقتها المرحلة الأولى من اختبار النيات، لا الاتفاق النهائي. وهذا استنتاج تحليلي تدعمه المؤشرات المتزامنة: تأجيل الضربات، حديث ترامب عن نقاط اتفاق، وإقرار طهران بوصول رسائل من دول صديقة.
وفي المحصلة، فإن المشهد لا يشير بعد إلى اختراق مكتمل، لكنه يكشف بوضوح أن الحرب دفعت الأطراف إلى حافة تفاوض اضطراري، لا إلى قطيعة نهائية. فواشنطن تريد صفقة تُترجم القوة إلى مكسب سياسي، وطهران تريد خفض الكلفة من دون أن تبدو منكسرة، فيما تراقب إسرائيل المسار من زاوية ضمان مصالحها الأمنية المباشرة. وبين هذه الحسابات المتشابكة، تبدو الأيام الخمسة التي تحدث عنها ترامب اختبارا حاسما: إما أن تنتج مسارا تفاوضيا أكثر وضوحا، أو تعود المنطقة إلى منطق النار بوصفه اللغة الوحيدة المتاحة.






