صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

ماذا فعلت الأيام بنا؟…

 

إذا أردت أن تعرف ماذا فعلت بك الأيام، فلا تُرهق ذاكرتك بتعداد ما فقدت، ولا تُعلّق وعيك عند تفاصيل ما لم يكتمل؛ فالأيام لا تُقاس بما أخذت، بل بما صنعت داخلك.

 

نظن أن الخسارة تكمن في الوجوه التي غادرت، والفرص التي ضاعت، والأحلام التي تأجلت، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. الخسارة الحقيقية أن تمرّ بكل هذا ولا يتغيّر فيك شيء، أن تخرج من التجربة بنفس الاندفاع، وبذات البساطة ..

 

انظر إلى قلبك الآن: هل أصبح أكثر هدوءًا؟ أكثر وعيًا؟ أكثر قدرة على التمييز؟
لقد تعلّمت أن القرب ليس دليل صدق، وأن البقاء لا يعني الاستحقاق، وأن بعض الراحلين كانوا درسًا لا وجهة. وكما قيل: “بالألم تولد المعرفة”، فكل وجع لم يكن عبثًا، بل كان يعيد ترتيب بصيرتك.

 

ثم تأمّل نظرتك لنفسك: هل ما زلت تنتظر من يفهمك لتشعر بقيمتك؟ أم أنك بدأت تكتفي بذاتك وتمنحها ما كانت تنتظره من الآخرين؟ هذا التحول ليس بسيطًا، بل هو أحد أعظم الانتصارات الداخلية؛ أن تصل إلى سلامك دون أن يتوقف على أحد.

 

أما ردود أفعالك، فهي المرآة الأصدق لنضجك. حين تمرّ من جوار من كان يومًا جزءًا منك بهدوء، دون رغبة في العتاب أو العودة، فاعلم أنك تجاوزت أكثر مما تظن. لم تعد تُدار بمشاعرك، بل أصبحت تقودها بوعي.

 

الأيام لا تغيّرنا فجأة، بل تنحتنا بصبر؛ تجربة بعد أخرى، ودرسًا بعد آخر، حتى نصبح أشخاصًا لا يُشبهون بداياتهم. قد يبدو هذا التغيّر مؤلمًا، لكنه في حقيقته نجاة؛ لأنك لم تعد ذلك الشخص الذي يُعطي بلا حدود، أو يثق بلا وعي، أو يُرهق نفسه في محاولات لا تُقدّر.

 

لذلك، لا تحزن لأنك تغيّرت… فالحياة لا تعطي دروسها مجانًا. وأنت دفعت ثمن وعيك من قلبك ووقتك وصدقك، فكان لا بد أن تخرج بنسخة أعمق، وأقوى، وأصدق.

 

همسة أمل:
هذا هو أثر الأيام… أن تصبح أكثر سلامًا، أقل اندفاعًا، وأكثر انتقائية. أن تنجو من نفسك القديمة قبل أن تنجو من الآخرين. تغيّرك ليس خسارة، بل شهادة نجاة من نسخة كانت تُحب أكثر مما ينبغي، وتُعطي أكثر مما يُحتمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى