صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

هل كل الحبايب حبايب؟

 

كم هي جميلة تلك اللحظات التي تغفو في ذاكرة الزمن… كلما مرّ عليها عبق الحنين، استيقظت مبتسمة، وفاحت بأريجها، لتعيدنا إلى أولئك الطيبين الذين جمعتنا بهم صداقة عميقة؛ لم تكن يومًا عابرة، بل امتدادًا للروح.

 

لم تُغيّرها المسافات، ولم يُطفئ وهجها مرور الوقت، بل بقيت نقية صادقة. تفرّقت الأجساد، نعم، لكن القلوب ظلّت على عهدها؛ لأن العِشرة الطيبة لا تُقاس بكثرة اللقاء، بل بصدق البقاء.

 

وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين الناس… فرقٌ لا تصنعه الكلمات، بل تكشفه المواقف. فالمعدن الأصيل لا يتغيّر مع الغياب، ولا يتبدّل مع الظروف، بل يثبت كلما اختبره الزمن.

 

ومن أصدق ما قيل في هذا الباب، أبيات الشاعر مساعد الرشيدي التي أصبحت معيارًا يُقاس به الوفاء:

 

من لا يحس بقيمتك وأنت موجود
ماهو بناشد عنك لاصرت غايب
يا قلب ما كل الحبايب حبايب
وإللي يبيك يجيك لو دونك قيود
يكسر على شانك خشوم الصعايب
وإللي يبي فرقاك لو دربك ورود
ما جاك لو أنك من أدنى القرايب

 

هذه الأبيات تختصر حقيقة واضحة؛ فالتقدير لا يُطلب، والودّ لا يُستجدى. من يريدك، سيصل إليك مهما تعقّدت الطرق، ومن لا يريدك، لن يأتيك مهما كانت المسافة قريبة.

 

ومن أعمق معاني الأصالة أن صاحب المبدأ يظل ثابتًا حتى في خصومته؛ واضحًا في مواقفه، لا يخذل ولا يغدر. أما من لا مبدأ له، فهو الأكثر تقلبًا، والأقل أمانًا مهما بدا قريبًا. فالمواقف وحدها هي التي تُظهر معادن الناس.

 

وفي زمنٍ تتبدّل فيه الوجوه، وتُقاس فيه العلاقات بالمصالح، يبقى الأصيل نادرًا… لكنه الأصدق أثرًا. لا يبرّر وفاءه، ولا يشرح محبته؛ حضوره يكفي، وثباته يغني عن كل قول.

 

همسة أمل:
مع مرور الأيام ندرك أن القيمة ليست في كثرة من حولنا، بل في قلّة من يبقون. أولئك الذين يحفظون العِشرة، ويصونون الودّ، ويثبتون حين يتغيّر الجميع. فإن وجدت الأصيل فتمسّك به؛ فالأوفياء قلّة، وصاحب المبدأ لا يتكرر.
وتبقى الحقيقة الأعمق: أن الله بلطفه لا يأخذ من حياتك أحدًا إلا ليمنحك من هو أصدق روحًا، وأعمق إخلاصًا، وأكثر استحقاقًا لقلبك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى