صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

“إحداثيات الصمت” حين تُصيب التغريدة صدر الوطن

في موازين القوى الحديثة، لم تعد الميادين تُقاس بمدى المدافع ولا بزخم الطائرات وحسب، بل انتقل الثقل الاستراتيجي إلى شاشات الهواتف التي تسكن جيوبنا. إن كل حرف تكتبه، وكل صورة ترفعها، وكل موقع تُحدده، ليس مجرد محتوى رقمي عابر، بل هو ذخيرة معلوماتية تُقدمها مجاناً على طبق من ذهب لكل متربص بأمن وطنك واستقراره.

قد تظن أن توثيق سحابة دخان، أو رصد مرور معدات عسكرية، أو الإشارة العفوية لموقع تجمع بشري، هو محض سبق أو حماس وطني. لكن الحقيقة المرّة هي أن هذه “السنابة” أو “التغريدة” تتحول في غرف عمليات العدو إلى إحداثيات (GPS) دقيقة، عجزت أقمارهم الصناعية عن نيلها. بجهلك التقني، قد تكون أنت من يُصحح مسار الصاروخ نحو هدفه، أو من يكشف ثغرة أمنية سهر جنودنا طويلاً لتحصينها. في أوقات الأزمات، يصبح الصمت الرقمي أرقى مراتب الوطنية.

يعمد العدو إلى إطلاق ما يسمى الذباب الإلكتروني لا لإقناعك بباطلهم، بل لاستدراجك إلى وحل المشاحنات الطائفية والمناطقية. هدفهم الحقيقي هو تفتيت الجبهة الداخلية واستنزاف طاقتك النفسية في معارك وهمية. حين تنجرف خلف هذه الاستفزازات، تساهم دون وعي في نشر عدوى السلبية التي تنهش في روح الصمود. الوعي السيبراني الحقيقي هو أن تترفع عن الرد، لتجعل من تجاهلك مقبرة لفتنهم.

المعلومة التي قد تراها تافهة، هي بالنسبة للمحلل العسكري قطعة جوهرية في أحجية كبرى. الحديث عن نقص سلعة، أو التذمر من إجراء أمني، أو تداول أخبار غير رسمية، كلها أدوات تُستخدم في الهندسة الاجتماعية لضرب الثقة المجتمعية. عدوك لا يحتاج لاختراق هاتفك، طالما أنك تفتح له أبواب وعيك وتُملي عليه أسرار وطنك.

الأمن السيبراني اليوم هو مرابطة لا تقل أهمية عن الوقوف على الثغور. إن التزامك بالبيانات الرسمية، وإعراضك عن تداول المقاطع المجهولة، هو السد المنيع الذي تتحطم عليه أمواج الحروب. أنت اليوم لست مجرد مستخدم، أنت رجل أمن لنفسك، ولأسرتك، ولوطنك.

إن الحذر في النشر شجاعة، والوعي بالخطر ذكاء، وكتمان أسرار الوطن أمانة في عنقك. لا تجعل من هاتفك نافذة يتلصص منها الأعداء على بيتك الكبير.
اجعل كلماتك درعاً، وصمتك هيبة، ووعيك خنجراً في خاصرة الإشاعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى