صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

زحمة المشاعر… ما لا يُقال قبل أن يُفهم

ليس كل ما نشعر به يمكن تفسيره بسهولة،
ولا كل ما يثقلنا يكون واضح المعالم.

 

نشعر أحيانًا بزحمة مشاعر، كفوضى صامتة تتداخل فيها الأفراح مع الأحزان، وتتشابك فيها الآمال مع المخاوف، فتأتي دفعة واحدة دون استئذان، تربك القلب وتثقل العقل، وكأن الإنسان يحاول احتواء عالم كامل في داخله. في تلك اللحظات، لا يكون الشعور واحدًا واضحًا، بل خليطًا متناقضًا يصعب الإمساك به؛ رغبة في القرب يقابلها خوف، وحنين يجاوره تردد، وهدوء ظاهري يخفي ضجيجًا داخليًا لا يُرى.

 

هذه الزحمة لا تعني ضعفًا كما يُظن، بل تعكس عمق الإحساس وصدق التجربة. فهي غالبًا نتيجة تراكمات لم تجد طريقها للتعبير، أو مواقف لم تُفهم بعد، أو مشاعر تم تأجيلها حتى ازدحمت في الداخل. وكما يشير عالم النفس كارل يونغ: “ما تقاومه يستمر، وما تتقبله يتحول”، في إشارة إلى أن مقاومة المشاعر لا تُنهيها، بل تؤجلها وتزيدها تعقيدًا.

 

ومن هذا التزاحم تنشأ الحيرة، فهي ليست حالة منفصلة بقدر ما هي انعكاس طبيعي لصراع داخلي بين مشاعر متعددة، أو بين ما نريده وما نخشاه. يقف الإنسان حينها في منطقة وسطى، لا هو قادر على المضي قدمًا ولا على التراجع، لأن كل شعور داخله يحمل مبرره الخاص. وكما يرى الفيلسوف سورين كيركغارد أن القلق والحيرة جزء من وعي الإنسان بذاته، وأنهما دليل على إدراك أعمق للحياة وخياراتها.

 

التعامل مع هذه الحالة لا يكون بمحاولة إيقافها دفعة واحدة، بل بالاعتراف بها أولًا. الاعتراف بكل شعور دون إنكار أو قسوة على النفس يفتح بابًا للهدوء .فالإنسان حين يسمح لنفسه أن يشعر بدل أن يقمع، يبدأ داخله بالترتيب تدريجيًا. والكتابة، حتى لو كانت بسيطة، تُعد وسيلة فعالة لتفريغ هذا التزاحم، إذ تمنح المشاعر مساحة لتُفهم بدل أن تبقى مبهمة. كما أن لحظات الصمت الواعي أو التأمل تعيد للنفس توازنها، وكأنها تعيد ترتيب الفوضى بهدوء.

 

ومع مرور الوقت، تبدأ الصورة بالاتضاح شيئًا فشيئًا، ويدرك الإنسان أن ليس كل ما يشعر به يحتاج إلى ردّة فعل، وأن بعض المشاعر يكفي احتواؤها حتى تهدأ. فالتوازن لا يعني غياب المشاعر، بل القدرة على إدارتها دون أن تطغى على الداخل أو تقوده بلا وعي. وهنا تظهر أهمية اللطف مع الذات، فالقسوة لا تصنع قوة، بل تؤخر التعافي، بينما القبول والتسامح مع النفس يفتحان طريقًا حقيقيًا للشفاء.

 

إن تصالح الإنسان مع ماضيه، وتخففه من لوم نفسه، لا يحدثان بسهولة، لكنه من أهم الخطوات نحو الاتزان. ومع هذا التصالح، يكتشف الإنسان أنه قادر على أن يكون لنفسه مأوى آمنًا، يصغي إليها ويحتويها دون حكم أو ضغط. وكما تقول الإعلامية أوبرا وينفري: “أعظم علاقة في حياتك هي علاقتك بنفسك”، وهي علاقة تحتاج إلى وعي ورعاية مستمرة.

 

همسة أمل ..
في خضم هذه الزحمة، تظل هناك حقيقة هادئة لا ننتبه لها كثيرًا: أن كل شعور نحمله، مهما كان ثقيلًا، هو جزء من رحلتنا نحو فهم أعمق لأنفسنا.
قد لا نستطيع منع المشاعر من التزاحم، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نحتويها دون أن نغرق فيها، وكيف نصغي لها دون أن نفقد أنفسنا.
ومع كل لحظة وعي… نقترب أكثر من ذلك السلام الذي لم يكن بعيدًا، بل كان ينتظر منا فقط أن نلتفت إلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى