مقالات
بين القبول والرضا… سر السعادة

ليست كل القصص تُروى لتُدهشنا، بل بعضها يأتي ليوقظ فينا شيئًا أعمق… نظرتنا، أحكامنا، وربما قلوبنا.
استوقفتني قصة رجلٍ بسيط، كان يعمل سائقًا لنقل البضائع بين بلده وبلدٍ مجاور .كانت رحلاته متكررة، حتى صار الطريق جزءًا من يومه، وصار له في البلد الآخر أصدقاء يألفهم ويأنس بهم. لم تعد رحلاته مجرد عمل، بل صارت لقاءات إنسانية ينتظرها.
وفي أحد الأيام، وبينما كان جالسًا عند أحد أصدقائه، دار الحديث كالمعتاد، حتى فاجأه صديقه بعرضٍ لم يكن في الحسبان:
“ما رأيك أن تتزوج أختي؟”
توقف…
لم يكن القرار سهلًا، فطلب مهلة ليفكر. قضى ليلته بين ترددٍ وتساؤل، ثم عاد في اليوم التالي وقد حسم أمره… ووافق.
تم عقد القران، وذهب ليرى زوجته لأول مرة.
دخل عليها وقلبه ممتلئ بالترقب، فإذا بها آيةٌ في الجمال، هادئة الحضور، تفيض رقة.
بدأ يحدثها… لكنها لم تُجب.
انتظر قليلًا، وأقنع نفسه أن الخجل يمنعها. أعاد الحديث… ولا رد.
حتى ناولته ورقة كُتب فيها:
“أنا لا أتكلم… ولا أسمع.”
في تلك اللحظة، لم تكن الصدمة عابرة… بل كان اختبارًا حقيقيًا لكل ما بداخله.
خرج من عندها، تتزاحم في داخله الأسئلة، وتثقل قلبه الحيرة.
وبين صراع الفكرة وهدوء الإيمان… قرر أن يقبل بما قسمه الله له.
مضت الأيام…ولم تكن كما خاف.
كانت زوجته تقوم بواجباتها على أكمل وجه، حضورها صادق، وعطاؤها صامت لكنه عميق.
شيئًا فشيئًا، لم يعد يرى ما فقدته… بل رأى فيها الزوجة التي كان يتمناها.فسعد… سعادة لم يكن يتوقعها.
وفي أحد الأيام، كانا في طريقهما بين المنطقتين، حين تعرضا لحادثٍ مروري كبير، أدى إلى كسورٍ لكليهما.
لم يفق إلا في المستشفى، مثقل الجسد، لكنه كان يسأل عنها بقلقٍ يفوق ألمه.
وحين ذهب ليطمئن عليها… حدث ما لم يكن في الحسبان.
نظرت إليه، وقالت بصوتٍ واضح:
“الحمد لله على السلامة.”
لم يستطع الحراك …
لم يكن الصوت مجرد كلمات، بل كان مفاجأة قلبت كل ما عرفه.
وبعد أن هدأ، علم أنها في الماضي تعرضت لحادثٍ أفقدها السمع والكلام… لكنها استعادت قدرتها لاحقًا.
في تلك اللحظة، لم يفكر في شيء…
إلا أنه حمد الله، من أعماقه، أنه لم يتخلَّ عنها.
همسة أمل…
بين القبول والرضا… مسافة صغيرة، لكنها تصنع فرقًا عظيمًا في قلوبنا.
فالقبول أن نستسلم لما كُتب لنا،
أما الرضا… فهو أن نطمئن له.
وليس كل ما نراه نقصًا يكون كذلك،
ولا كل ما نخافه يحمل لنا الشر.
بعض الأقدار تأتي مغطاة بالغموض، لتختبرنا:
هل نصبر؟
هل نحسن الظن؟
هل نختار بقلوبٍ مؤمنة اما متعجلة؟
فكم من خيرٍ كدنا أن نخسره لأننا استعجلنا الحكم،
وكم من إنسانٍ كان يستحق البقاء… لكننا لم نمنحه فرصة الفهم.
“السعادة لا تأتي مما نُعطى…بل من الطريقة التي نتقبل
بها عطاء الله.”






