جدرانُ الصمت” حين يغتربُ الدمُ في بيته!!

في هندسة البيوت، تُبنى الجدران لتعزلنا عن ضجيج الخارج، لكن الفاجعة تكمن حين تنمو الجدران داخل قلوب القاطنين تحت سقف واحد. إن التفكك الأسري اليوم لم يعد مجرد إحصائية عادية في أروقة المحاكم، بل أصبح زلزالاً صامتاً يضرب عصب الوجود، محولاً روابط الدم القوية إلى خيوط واهنة، وعداوات باردة تنهش في أجساد الإخوة والأقارب.
تبدأ الحكاية غالباً من تفاصيل صغيرة تسللت في غفلة من العقل كسوء فهم بائس لم يجد قلباً يحتويه، أو مقارنة عابرة بين الأبناء في صغرهم زرعت بذور غيرة مريرة، نمت حتى حجبت ضوء الأخوة. وقد ينفث الحسد سمّه الخفي في عروق العائلة، حين تتحول النعمة عند الأخ إلى غصة في صدر شقيقه، وبدلاً من أن يكون النجاح فخراً مشتركاً، يصبح وقوداً لنار “لماذا هو وليس أنا؟”، فتتحول المجالس التي كانت تضج بالضحك إلى ميادين لتبادل النظرات المتربصة والكلمات المسمومة التي تقطع حبال الود قبل أن تُنطق.
ومع مرور السنوات، تتحول هذه الشقوق الصغيرة إلى هواتٍ سحيقة، فيصبح الأخ الذي كان سنداً يُرتجى، خصماً لدوداً يُتقابل معه في ردهات المحاكم من أجل حطام إرث أو خلاف مادي زائل. ويغدو القريب الذي كان مَفزعاً في الملمات، غريباً لا يُعرف عنه سوى صورة باهتة في تطبيق تواصل اجتماعي، أو خبر عابر يُنقل من بعيد، في مشهد يجسد يتم المشاعر، حيث يولد جيل لا يرى في أقاربه سوى أسماء في شجرة عائلة ذابلة، لينشأ مجتمع هش، منقطع الجذور، يسهل كسره عند أول عاصفة.
إن هذا الداء العضال لم ينبت من فراغ، بل غدّته جمرة طغيان المادة التي جعلت قيمة القريب تُقاس بما يملك لا بما يمنح من ود، وعزّزه استبدالنا المجالس الدافئة بالمجموعات الرقمية الجافة، فغابت لغة العيون التي كانت تمحو الزلل، وحلّت مكانها نصوص صماء قد تُفهم خطأً وتُفَسّر حقداً. وحتى التربية لم تسلم، فحين نزرع في أبنائنا مبدأ المنافسة مع أبناء عمومتهم بدلاً من التكامل معهم، فنحن نصنع قنابل موقوتة ستنفجر يوماً في وجه صلة الرحم.
لكن العودة إلى الدفء ليست مستحيلة، بل هي ضرورة بقاء تبدأ بتبني ثقافة التغافل الواعي، فالبيوت لا تُعمر بالحقوق الصارمة، بل بالقلوب التي تتغابى عن الهفوات لتستمر المودة، وبفصل المادة تماماً عن روابط العاطفة، لتبقى الخلافات المالية في حدود القانون دون أن تسمم مائدة الطعام المشتركة. إنها دعوة لكسر كبرياء الخصومة وتطهير القلوب من ضغينة الحسد عبر الإيمان بأن الأرزاق مقسومة لا تُنال بالعداء. فالمبادر بالسلام مع شقيقه ليس مهزوماً، بل هو المنتصر على شياطين القطيعة، وهو الذي أدرك أن الحياة أقصر من أن تُقضى في غُربة خلف جدار الصمت.
إن قوة الوطن تُستمد من تماسك الأسرة، وإذا فسدت اللبنة، تداعى البنيان العظيم. فلنعد اليوم قبل غد لصياغة ميثاق جديد، عنوانه أن “الدم لا يصير ماءً”، ولنزرع في الجيل القادم أن القريب هو الوطن الصغير الذي نلوذ به حين يشتد صقيع الحياة، فبيوتنا ليست مجرد أسمنت بارد، بل هي أرواح إذا تآلفت، أضاءت الدنيا صلحاً وحباً.






