لسنا بدرًا كاملًا… بل بشر

«إنِ استحسنتني فجوزيت خيرًا
وإن ساءت ظنونك فلا أُبالي
أنا طينٌ جُبلتُ على الخطايا
ولستُ البدرَ لترجو اكتمالي»
في هذه الأبيات شيءٌ من الصدق الذي يهزّ الداخل بهدوء…
صدقٌ يُعرّي وهم الكمال الذي يلاحق الإنسان في هذا الزمن، حتى بات البعض يُرهق نفسه محاولًا أن يبدو بلا عيوب، بلا ضعف، بلا أخطاء، وكأن البشرية أصبحت تُقاس بمدى قدرتنا على إخفاء نقصنا لا الاعتراف به.
لكن الحقيقة التي كثيرًا ما نهرب منها، أن الإنسان لم يُخلق كاملًا.
نحن نحاول، نصيب ونخطئ، نضعف ثم نقف، نتعثر ثم نتعلم. وفي كل مرة نعتقد أننا وصلنا إلى النضج الكامل، تكشف لنا الحياة جانبًا آخر يحتاج إلى إصلاح.
إن أكثر ما يُرهق الروح أحيانًا ليس الخطأ نفسه، بل شعور الإنسان بأنه مطالب بأن يكون نسخة مثالية طوال الوقت؛ أن يُرضي الجميع، وأن يبرر نفسه للجميع، وأن يعيش وفق الصورة التي يريدها الآخرون عنه.
وحين يعجز عن ذلك، يبدأ جلد الذات، وكأن الخطأ نهاية الإنسان لا جزء من تكوينه.
وقد قيل: “الكمال لله وحده.”
وهي عبارة تختصر الكثير من السلام الداخلي؛ لأن إدراك نقصنا لا يعني الاستسلام له، بل يعني أن نتعامل مع أنفسنا بوعيٍ ورحمة، لا بقسوةٍ دائمة.
لسنا ملائكة حتى لا نخطئ، ولسنا شياطين لأننا أخطأنا.
فالإنسان الحقيقي ليس من يدّعي الطهر الكامل، بل من يملك شجاعة الاعتراف بضعفه، ويسعى لأن يكون أفضل دون ادعاء.
وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى:
﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
القرآن الكريم
وهذا الضعف ليس إهانة للإنسان، بل تذكير بحقيقته؛ حتى لا يتكبر حين ينجح، ولا ينهار حين يخطئ.
إن بعض الناس يرحلون لأنهم صُدموا حين اكتشفوا أن من أمامهم ليس كاملًا كما تخيلوا، بينما الناضجون وحدهم يدركون أن العلاقات الإنسانية لا تقوم على المثالية، بل على التفهم، والرحمة، والقدرة على تقبل النقص البشري.
نحن لسنا بدرًا مكتملًا في السماء…
بل أرواحٌ تحمل ندوبها، وتحاول رغم كل شيء أن تكون أخفّ أذى، وأكثر صدقًا، وأقرب إلى السلام.
وربما أجمل ما في الإنسان ليس كماله…
بل محاولاته الصادقة لأن يكون أفضل، رغم كل ما فيه من نقص.
همسة أمل:
لا تُرهق قلبك بمحاولة الظهور كاملًا أمام الناس، فالكمال ليس من صفات البشر. يكفي أن تكون صادقًا، نقيّ النية، وتحاول أن تُصلح نفسك كل يوم… فبعض الجمال الحقيقي يولد من الاعتراف بالنقص، لا من ادعاء الاكتمال..






