مقالات
النجاة التي تمنحها الفرصة الأخيرة

يقول غازي القصيبي:
“تذكر دائمًا أن الخيارات لا متناهية، وأنك لست محدودًا بفرصة واحدة أو بمستقبلٍ معين، وأن الدنيا أكبر من أن تتمسك بشيء ظنًّا منك أنه قد لا يتكرر.”
استوقفتني هذه العبارة طويلًا، لأن الإنسان أحيانًا لا يتمسك بالأشياء حبًّا فيها بقدر ما يتمسك خوفًا من ألّا يجد غيرها، فيمنح الفرص مرة بعد أخرى، ظنًّا منه أن التمسك شكلٌ من أشكال الوفاء، بينما يكون في الحقيقة استنزافًا هادئًا لقلبه.
فالفرص في حياتنا ليست دائمًا دليل محبة، كما أن التوقف عن منحها لا يعني قسوة.
بعض الفرص نمنحها لأننا نؤمن بالخير، ونؤمن أن التغيير ممكن، لكن بعضها الآخر نمنحه لأننا لم نصل بعد إلى اليقين الذي يسمح لنا بالرحيل بسلام.
يقول جلال الدين الرومي:
“لا تتشبث بما يؤذي روحك فقط لأنك اعتدت وجوده.”
ومع مرور الوقت، يكتشف الإنسان أن بعض الفرص لا تغيّر الآخرين… بل تكشفهم فقط.
تكشف مقدار تقديرهم، وصدق مشاعرهم، ووعيهم بقيمة من يمنحهم مساحة أخرى للبقاء.
فليس الجميع يرى الفرصة نعمة، فبعضهم يعتادها حتى يفقد احترامها.
ومع ذلك، تبقى هناك فرص نحتاج أن نمنحها… ليس للآخرين، بل لأنفسنا نحن.
أحيانًا لا نعطي الفرصة الأخيرة انتظارًا لعودة الأشياء كما كانت، بل لنطمئن أن قلوبنا حاولت بما يكفي، وأننا لم نغادر عند أول خيبة، ولم نقصر في حق مشاعرنا.
قال نجيب محفوظ:
“الإنسان لا يندم على ما جرّب، بل يندم على ما تردد في تجربته.”
لهذا، تأتي بعض الفرص لتمنحنا وضوحًا لا عودة، ويقينًا لا تعلقًا.
يقينًا يجعلنا ندرك أن بعض العلاقات انتهت قبل أن تنتهي فعليًا، وأن ما انطفأ في الداخل لا تعيده كثرة المحاولات.
لكن النضج الحقيقي يبدأ حين يفرّق الإنسان بين منح الفرصة بدافع الوعي، ومنحها بدافع الخوف من الفقد.
فالوعي يجعلك متزنًا حتى وأنت تمنح، أما التعلق فيجعلك تؤجل ألمك فقط، وتخسر نفسك تدريجيًا وأنت تنتظر التغيير.
همسة أمل :
ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“لا تُكرهوا أحدًا على الاهتمام بكم.”
فالعلاقات التي تحتاج إلى استجداء دائم للمشاعر، تُرهق القلب أكثر مما تُسعده، والإنسان لا ينبغي له أن يبقى عالقًا في مكانٍ لا يشعر فيه بقيمته.
وفي النهاية، ليست كل فرصة خسرناها كانت خسارة،
فبعض الفرص جاءت فقط لتعلّمنا أن الحياة أوسع من بابٍ واحد، وأن اختيارنا لأنفسنا ليس أنانية… بل نجاة ..






