صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

هل لكل النهايات تفسير؟

أحيانًا لا تنتهي الحكايات عندما نجد الإجابة، بل عندما نتوقف عن انتظارها.

من أكثر ما يُتعب الإنسان أن يبقى عالقًا عند ما مضى، يفتش عن تفسيرٍ لم يأتِ، أو سببٍ يعيد ترتيب ما تشوّه في داخله بعد النهاية. فنحن بطبيعتنا نميل إلى فهم كل ما يمر بنا، وكأن الاطمئنان لا يتحقق إلا باكتمال الصورة.

لكن الحياة لا تمنح هذا الاكتمال دائمًا.

فبعض النهايات تأتي صامتة، بلا مقدمات واضحة ولا تفسيرات لاحقة، وتترك خلفها فراغًا من الأسئلة لا يملؤه شيء. وحينها يبدأ العقل في إعادة المشاهد، وكأن استرجاع التفاصيل سيكشف ما خفي من الحقيقة.

ومع الوقت ندرك أن ليس كل ما يحدث قابلًا للتفسير، وليس كل من يرحل يملك وضوح الإجابة أو شجاعة البوح. فبعض الغياب اختيار، وبعض الصمت هروب، وبعض النهايات لا تحمل سوى نفسها.

وهنا تتغير زاوية النظر؛ فكلما أصررنا على البحث عن إجابات، منحنا الماضي مساحة أكبر مما يستحق، وربطنا سلامنا بأشياء قد لا نحصل عليها أبدًا.

ولعل ما يغيب عنا أن الأفعال نفسها أحيانًا تكشف أكثر مما تشرحه الكلمات. فالتجاهل رسالة، وغياب الاحترام رسالة، والتنصل من المسؤولية رسالة، والصمت الطويل قد يكون أوضح من أي تفسير.

وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى مبدأ يختصر كثيرًا من هذا التشتت، فقال:«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»

فليس كل ما يثير القلق يستحق أن نلاحقه، ولا كل سؤال عالق يحتاج إلى إجابة. أحيانًا يكون السلام في التوقف، لا في الاكتشاف.

وربما لو جاءت بعض الإجابات التي انتظرناها طويلًا لما غيّرت شيئًا. فهناك حقائق تصل متأخرة، تفقد أثرها في المواساة أو التفسير، لأن الإنسان يكون قد تجاوزها أصلًا في داخله.

إن النضج الحقيقي لا يكمن في امتلاك الإجابات، بل في القدرة على التعايش مع الأسئلة التي لا إجابة لها. في تقبّل أن بعض الحكايات تنتهي قبل أن تشرح نفسها، وأن بعض الغموض جزء من التجربة لا خلل فيها.

فالسلام لا يأتي من كشف كل الأسرار، بل من التوقف عن مطاردتها، والثقة بأن ما خفي أعظم، وأن ما لم نفهمه اليوم قد يكون رحمةً لم ندركها بعد.

في النهاية، ليست كل النهايات تملك تفسيرًا، وليست كل الأسئلة خُلقت لتُجاب. وبعض الراحة تبدأ حين نكفّ عن البحث عمّا لن نجده، ونمنح الحياة فرصة أن تمضي كما هي.

همسة أمل ..

ليس من الضروري أن تمتلك إجابات لكل ما مرّ بك كي تشعر بالسلام. يكفي أن تتقبّل، أن تترك بعض الأسئلة في مكانها، وأن تمضي مطمئنًا بأن الله يعلم ما خفي عنك، ويختار لك الخير حيث لا تراه. وما دام قلبك متوكّلًا عليه، فلن يضيعك غموض طريق، ولن تؤذيك نهاية لم تفهمها، لأن ما عند الله أرحم وأجمل مما تتصور ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى