مقالات
هل أصبح الزمن يمر أسرع مما كان؟

كثيرًا ما نسمع من حولنا عبارة: “الأيام أصبحت تمر بسرعة”، حتى بات الإحساس بتسارع الزمن شعورًا مشتركًا بين الناس على اختلاف أعمارهم. فما إن يبدأ الأسبوع حتى نجد أنفسنا في نهايته، وما إن نستقبل عامًا جديدًا حتى نودعه دون أن نشعر كيف مضى.
قد يظن البعض أن هذا الشعور مرتبط بتقدم العمر فقط، فكلما كبر الإنسان ازدادت مسؤولياته وتشابهت أيامه، فيبدو له الزمن أسرع من ذي قبل. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الدماغ يميل إلى تخزين الأحداث الجديدة والمختلفة أكثر من الأحداث المتكررة والمألوفة، لذلك تبدو فترات الطفولة والشباب أطول في الذاكرة لأنها مليئة بالتجارب الأولى والاكتشافات الجديدة، بينما تمر السنوات اللاحقة وكأنها ومضة عابرة.
لكن اللافت أن الإحساس بسرعة مرور الوقت لم يعد مقتصرًا على كبار السن، بل أصبح ظاهرة يشعر بها كثير من الشباب أيضًا. ولعل السبب في ذلك يعود إلى طبيعة الحياة المعاصرة التي أصبحت أكثر ازدحامًا وتسارعًا من أي وقت مضى. فالتكنولوجيا الحديثة، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، جعلت الإنسان يعيش في تدفق مستمر من الأخبار والصور والمعلومات، حتى بات عقله ينتقل من حدث إلى آخر دون فرصة كافية للتأمل أو التوقف.
لقد اختصرت التقنية المسافات وسهّلت الأعمال، لكنها في الوقت نفسه رفعت من إيقاع الحياة اليومي. فأصبح الإنسان ينجز أكثر، ويتابع أكثر، ويتلقى كمًا هائلًا من المعلومات في ساعات قليلة، مما يخلق لديه شعورًا بأن الزمن يركض بسرعة تفوق قدرته على ملاحقته.
وربما لا يكون الزمن نفسه قد تغيّر، فالدقيقة هي الدقيقة، والساعة هي الساعة، لكن الذي تغيّر هو أسلوب حياتنا وطريقة إدراكنا للوقت. فحين نعيش اللحظة بوعي، ونمنح أنفسنا وقتًا للتأمل والراحة، ونبتعد قليلًا عن ضجيج الشاشات، نستعيد شيئًا من الإحساس الطبيعي بالزمن.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل الزمن هو الذي أصبح أسرع، أم أننا نحن الذين أصبحنا نعيش أسرع من الزمن
ولعل هذا الإحساس بتسارع الأيام يذكّرنا بما أشار إليه القرآن الكريم من أن عمر الدنيا مهما طال فإنه يبدو قصيرًا عند تأمله بعد انقضائه، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]. وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55].
كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». وهذه النصوص تذكر الإنسان بأن الأيام تمضي سريعًا، وأن قيمة الوقت ليست في طوله، بل فيما يُنجز فيه من عمل نافع وأثر طيب.
ومن الأحاديث المناسبة جدًا لموضوعك أيضًا قول النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان»، وهو حديث صحيح، وقد فسّره بعض العلماء بشعور الناس بسرعة مرور الوقت وقلة البركة فيه،






