الفنانة فوزان الحسن لـ«مفاكرة»: عندما انطفأت الأضواء سقطت الأقنعة
تستعيد سنوات الغياب والمرض وتروي كيف تغيرت علاقتها بالفن.. وتكشف عن عودة محتملة من بوابة الكتابة
مفاكرة – جدة
ليست كل المسافات التي تفصل الفنان عن الكاميرا غيابا، فبعضها يعيد ترتيب علاقته بالفن وبالناس وبنفسه. فوزان الحسن تنتمي إلى جيل تصفه بأنه «حفر الصخر» ليصل إلى الشاشة، في زمن لم تكن فيه الشهرة تصنعها دقيقة عابرة على منصة، وكان الشغف لدى كثير من الفنانين يسبق الأجر والحضور. وبين تلك البدايات وما تعيشه الدراما السعودية اليوم، مرت فوزان بتجربة صحية قاسية نقلت حياتها إلى مساحة أخرى، لكنها عادت إلى الكاميرا وهي تحمل جرحها، مدفوعة باشتياقها للفن وجمهورها. ثم اختارت الابتعاد مجددا، مقتنعة بأن تاريخ الفنان قد يكون أحيانا أثمن من حضور لا يشبهه. سنوات الغياب كشفت لها وجوها، وأسقطت أخرى، وأعادت تعريف النجومية في نظرها، حتى خرجت منها بعبارة تختصر الكثير: «عندما انطفأت الأضواء سقطت الأقنعة». وفي هذا الحوار مع «مفاكرة»، تتحدث فوزان الحسن عن جيلها والمرض والخذلان والوفاء، وتنظر إلى التحولات التي تعيشها الدراما السعودية، وتكشف عن حلم جديد قد يعيد اسمها إلى المشهد من خلف الكاميرا هذه المرة.

مفاكرة: فوزان الحسن عاشت زمنا كانت فيه الشاشة تجمع العائلة، واليوم يحمل كل فرد شاشته الخاصة.. أي زمن كان أصعب على الفنان: زمن الشاشة الواحدة أم زمن المنصات التي لا تتوقف؟
فوزان الحسن: زمننا كان الأصعب على الفنان. تعبنا كثيرا وتنازلنا عن كثير من حقوقنا الفنية لمجرد أن نقف أمام الكاميرا، لأن ما كان يقودنا هو الحب والشغف الحقيقي، لا الأجر المرتفع. كثير من أعمالنا قدمناها من دون مقابل، وكان هناك دعم متبادل بيننا، وكنا ننظر إلى العمل الفني باعتباره عملنا جميعا وليس عمل المنتج وحده.
كنا نبحث عن عمل له قيمة، لا عن شهرة فارغة أو مقابل مادي فقط، ووصل الأمر إلى أن ندفع من جيوبنا ثمن ملابس الشخصية وإكسسواراتها. لم نعرف الرفاهية التي تتوافر للفنان اليوم.
فنانو هذا الجيل محظوظون بما تعيشه المملكة من نهضة في ظل رؤية السعودية 2030، وما يشهده القطاع من دعم واهتمام بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى جانب ما قدمه معالي المستشار تركي آل الشيخ من فرص ومساحات للفنانين. اليوم هناك قنوات ومنصات ومسارات متعددة للوصول إلى الجمهور، ولم يعد الفنان محصورا في شاشة تلفزيونية واحدة. أقول لهم دائما: يا بختكم.
مفاكرة: ابتعدت سنوات عن الشاشة، والسؤال الذي ربما لم يطرح عليك بهذه الصراحة: هل كان ابتعاد فوزان الحسن عن الفن اختيارا منها، أم أن الوسط الفني هو الذي ابتعد عنها؟
فوزان الحسن: البداية كانت مع مرضي عام 2008 والعمليات التي أجريتها. عدت بعد ذلك في مشاركات كضيفة شرف، رغم وجود جرح في رأسي لا يحتمل حرارة الإضاءة وأجواء التصوير. وقفت أمام الكاميرا لأنني كنت أشتاق إليها، وأردت أن أقول لجمهوري إنني أحبهم ولا أستطيع الغياب عنهم.
مثلت وأنا أحمل جرحي، وشاركت في أعمال منها «من الآخر» و«نساء من زجاج» و«سكتم بكتم 3»، وأفلام منها «الزومبي» و«ذكريات سوداء». والحمد لله حصلت عن دوري في «ذكريات سوداء» على جائزة أفضل ممثلة في المهرجان الأول للفيلم السعودي، من لجنة تحكيم ضمت أسماء كبيرة، وكان ذلك شرفا كبيرا لي. وقتها أدركت أنني ما زلت أستطيع إثبات وجودي وسط هذا الزخم من النجوم.
بعد ذلك قررت الانسحاب والعمل على نفسي، ثم عرض علي مسلسل «أنت طالق» مع المنتج والفنان محمد بخش، وهو اسم كبير من أسماء الدراما الحجازية والعربية، ولم أستطع رفض العمل معه. قدمت 12 حلقة بشخصيات ومشاركات متنوعة، ثم شعرت أن هذا القدر من الحضور يكفيني.
اخترت الابتعاد احتراما لتاريخي ومشواري وجمهوري. إما أن أعود بصورة أفضل تليق بما قدمته، أو أحتفظ بتاريخي وأبتعد. وإذا عدت فستكون عودة مدروسة جدا بإذن الله.
مفاكرة: لو عاد بك الزمن إلى أول يوم وقفت فيه أمام الكاميرا، ماذا ستقول فوزان اليوم لتلك الفتاة التي كانت تبدأ الطريق؟
فوزان الحسن: سأقول لها: أنت حفرت الصخر حتى وصلت إلى النجومية وأنت صغيرة، وصنعت اسما وجمهورا وتاريخا من النجاحات، والحمد لله. لذلك إذا عدت، فعودي بصورة تليق بتاريخك وبقوة أكبر، وإذا لم تجدي ذلك فاكتفي بما قدمت واحفظي تاريخك.
مفاكرة: مررت بتجربة صحية قاسية كادت تغير مسار حياتك، وليس مسيرتك الفنية فقط.. ماذا بقي في شخصيتك من فوزان التي سبقت تلك التجربة، وماذا تغير بعدها؟
فوزان الحسن: تجربة المرض والعمليات قوتني كثيرا. الألم والمرض والجرح العميق صنعوا داخلي امرأة أقوى. كنت شديدة الحساسية والهشاشة، وكان بعض الزملاء والإعلاميين المقربين يصفونني بـ«البسكويتة»، أما اليوم فأنا أكثر صلابة وقوة.
صرت أحسب قرارات حياتي الصغيرة والكبيرة بصورة مختلفة. تألمت وجرحت وخذلت، وتعلمت أن الذين وقفوا معي في شدتي وجرحي هم الذين يستحقون أن يكونوا معي في فرحي وحياتي المقبلة. كثيرون أذهلوني بوفائهم من الفنانين والإعلاميين، وقلة خذلتني وآلمتني، لكنها منحتني درسا سيبقى معي طوال حياتي.
مفاكرة: الفنان يعرف في أوقات النجاح كثيرا من الوجوه، لكنه يتعرف إلى الناس بصورة مختلفة في أوقات الغياب.. من بقي مع فوزان عندما انطفأت أضواء الكاميرا؟
فوزان الحسن: عندما انطفأت الأضواء سقطت الأقنعة.
كنت أرى أن الله ابتلاني لينير بصيرتي. خلال العمليات، وفي أشد لحظات الألم، كنت أدعو الله وأقول: اللهم إني رضيت بالألم فارض عني ونور بصيرتي. والحمد لله استجاب الله لي.
بقي الأوفياء الذين أحبوني من القلب، لا من أجل الشهرة أو المال. بقي كثير من العظماء والنجوم الكبار، ووقفوا معي وقفة لن أنساها. أفضل ألا أذكر أسماء، لأنني لن أوفيهم حقهم مهما قلت، وأتمنى أن نكون معا في القادم.
مفاكرة: قلت في مرحلة سابقة كلاما قاسيا عن تجاهل الدراما لك. بعد كل هذه السنوات، هل ما زال ذلك العتب موجودا، أم تصالحت مع تلك المرحلة؟
فوزان الحسن: نعم، قلت ذلك خلال فترة مرضي عام 2008. كنت أعيش مشاعر متداخلة بسبب الألم والعمليات والمسكنات القوية. وبعد أن تجاوزت تلك المرحلة ونظرت إلى الأمر بهدوء، أدركت أن من حق المنتج، حتى لو كان صديقا أو فنانا أعرفه، أن يبحث عن الاسم المناسب لعمله في ذلك التوقيت. الإنتاج عمل ومسؤولية، والمنتج يفكر بعقله وبنجاح مشروعه.
لذلك سحبت عتبي وعذرتهم. والحقيقة أنني في تلك الفترة لم أكن قادرة صحيا على حمل بطولة عمل كامل بالطريقة التي كنت أفعلها سابقا. يكفيني أن أحمد الله أنه منحني الحياة بعد تجربة رأيت فيها الموت قريبا.
مفاكرة: شاركت في مرحلة مهمة من تاريخ الدراما السعودية وعملت مع أسماء بارزة.. ما الذي كان يملكه ممثل الأمس وتشعرين أن بعض ممثلي اليوم فقدوه؟
فوزان الحسن: الاحترام. احترام الفنان الكبير، والمخرج، والزميلات، وفريق الإنتاج، ومواعيد التصوير، وكل شخص موجود في موقع العمل.
رأيت بعض التصرفات التي أدهشتني، وأؤكد أنني لا أعمم. قد يكون هناك فنان في بدايته يؤدي البطولة، وفنان كبير صاحب تاريخ يشارك ضيف شرف، فتجد الفنان الكبير ملتزما بموعده وينتظر، ويتأخر الآخر ساعة أو ساعتين، وإذا اعترض المخرج قد يهدد بمغادرة موقع التصوير.
وجود ملايين المتابعين على المنصات لا يلغي تاريخ من أسهموا في صناعة الدراما السعودية. النجومية في نظري مسؤولية واحترام قبل أي شيء آخر، وبعض ما شاهدته كان من الأسباب التي جعلتني أفضل الحفاظ على تاريخي والابتعاد.
مفاكرة: وفي الاتجاه الآخر، ما الذي يملكه الجيل الجديد وتتمنين لو كان متاحا لكم في بداياتكم؟
فوزان الحسن: يملك الجيل الجديد أدوات كثيرة للوصول إلى النجومية، وهذا شيء جميل. يستطيع الفنان اليوم تصوير مقطع قصير يصل إلى ملايين المشاهدات، ويعمل في زمن تتعدد فيه الأعمال والمنصات والفرص، إضافة إلى الدعم الذي يعيشه القطاع الفني والترفيهي.
وأقولها بروح المحبة: كنت أتمنى لو أن الفرص الموجودة اليوم، وما يقدمه معالي المستشار تركي آل الشيخ من دعم ومساحات للفنانين، كانت متاحة في بداياتي. لدي ثقة كبيرة بموهبتي وقبولي لدى الجمهور، وربما كانت تجربتي ستصل إلى مساحة أبعد بكثير.
مفاكرة: المشاهد نفسه تغير؛ كان ينتظر موعد المسلسل، واليوم يستطيع مغادرته بعد ثوان والانتقال إلى مئات الأعمال.. هل صنع ذلك ممثلا أفضل أم ممثلا أكثر انشغالا بحضوره وشهرته؟
فوزان الحسن: أرى أنه صنع فرصا لممثل أفضل، لأن الفنان اليوم يملك أدوات وإمكانات كان يتمناها أي فنان في السابق. الدراما السعودية تعيش حضورا قويا، والمنافسة اتسعت، وأسماء كثيرة من العالم العربي تتطلع إلى العمل في السعودية.
هذا التطور يسعدني ويفخرني، سواء عدت إلى الساحة أم لم أعد. نجاح الدراما السعودية نجاح لنا جميعا، حتى لمن ابتعد عنها لسنوات.
مفاكرة: الشهرة اليوم يمكن أن تبدأ من مقطع لا يتجاوز دقيقة، بينما احتاج جيلكم سنوات حتى يعرفه الجمهور.. هل صارت الشهرة أسرع من الموهبة؟
فوزان الحسن: بالتأكيد الطريق إلى الشهرة صار أسرع كثيرا. مقطع واحد قد يجعل صاحبه معروفا لدى الملايين، أما جيلنا فاحتاج سنوات من العمل والاجتهاد حتى يحصل الفنان على صفة «نجم».
نحن حفرنا الصخر وتعبنا واجتهدنا للوصول إلى الجمهور. اليوم قد يصنع الإنسان شهرته وهو في منزله، وهذا اختلاف كبير بين الزمنين. لكن الشهرة وحدها شيء، والنجومية التي تستمر شيء آخر.
مفاكرة: هناك ممثلون شباب يملكون حضورا واسعا على المنصات، لكن السؤال الأصعب: من منهم ترين أنه يملك أدوات تجعله يبقى بعد عشرين عاما؟
فوزان الحسن: الساحة اليوم عامرة بالنجوم والنجمات، والله يوفقهم جميعا. هناك مواهب جميلة وكثيرة، لكنني لست متابعة جيدة لكل الأعمال حاليا، لذلك لا أريد أن أذكر اسما وأظلم أسماء أخرى لم أشاهدها.
مفاكرة: عاصرت الدراما السعودية في مراحل مختلفة.. بعيدا عن المجاملة، أين ترينها اليوم فنيا؟ وما الذي ينقصها لتنافس عربيا وعالميا بصورة أكبر؟
فوزان الحسن: الدراما السعودية تعيش ازدهارا كبيرا وحضورا واسعا، وهناك فنانون عرب يتمنون المشاركة فيها حتى من خلال أدوار ضيوف الشرف. الدعم الذي يحظى به القطاع منحها مساحة كبيرة للحركة والمنافسة.
ومن وجهة نظري، أكثر ما تحتاج إليه في المرحلة المقبلة هو الكاتب والنص الجيد. كل الإمكانات قد تكون موجودة، لكن النص يظل أساس العمل الفني.
مفاكرة: لو عرض عليك اليوم دور يعيد فوزان الحسن إلى الشاشة، ما الشخصية التي يمكن أن تجعلك تقولين فورًا: لهذا الدور تحديدا كنت أنتظر؟
فوزان الحسن: في الوقت الحالي يصعب علي التفكير في دور بعينه يعيدني إلى الشاشة. اهتمامي الأكبر اتجه إلى الكتابة. المرض والمعاناة والوحدة فتحت أمامي موهبة أخرى، وصار حلمي أن أعود إلى الساحة كاتبة. أعمل على نفسي في هذا الاتجاه، وربنا كريم.
مفاكرة: وهل العودة إلى الشاشة ما زالت رغبة حقيقية لديك، أم أن علاقتك بالفن تحولت إلى شيء آخر؟
فوزان الحسن: الظهور على الشاشة لم يعد هدفي الأول. يمكن أن أعود إذا وجدت عملا قويا جدا، وخصوصا إذا كان من كتابتي. تفكيري الآن مختلف، وتركيزي الأكبر على ما أستطيع تقديمه من خلال الكتابة.
مفاكرة: تحدثت عن الكتابة والإنتاج كمساحة جديدة في تجربتك.. ماذا تريد فوزان أن تصنع من خلف الكاميرا؟
فوزان الحسن: لم أدخل سابقا مجال الإنتاج أو الكتابة، فقد كانت تجربتي الأساسية ممثلة. أما اليوم فطموحي أن أكون كاتبة ومنتجة، وأنا أعمل على تطوير نفسي حتى أحقق هذا الحلم. أريد أن تكون عودتي مرتبطة بما أصنعه وأؤمن به، وليس بمجرد الظهور.
مفاكرة: بعد هذه الرحلة بكل ما فيها من شهرة وغياب ومرض وعودة.. ما الثمن الذي دفعته فوزان الإنسانة مقابل أن تكون فوزان الفنانة؟
فوزان الحسن: الوقت والراحة وعدم الاستقرار. هذه أشياء دفعتها فوزان الإنسانة مقابل تجربتها الفنية.
مفاكرة: ما السؤال الذي انتظرت طوال مسيرتك أن يسألك إياه صحفي ولم يسألك أحد؟
فوزان الحسن: كنت أتمنى أن يسألني أحد: ماذا استفدت من النجومية والشهرة؟
وإجابتي ببساطة: حب الناس. هذا أكثر شيء يسعدني، وهو المكسب الحقيقي الذي خرجت به من الوسط الفني، وليس المال.
مفاكرة: وأخيرا، إذا كانت أمامك الآن كاميرا واحدة وجمهور لم يشاهد فوزان الحسن منذ سنوات.. ماذا تريدين أن تقولي له دون نص مكتوب؟
فوزان الحسن: أحب أن أقول لجمهوري إن محبتكم بقيت معي طوال سنوات الغياب، وهي الشيء الذي يجعل للفن معنى في حياتي. لم أنس الجمهور، ولم أغلق باب الفن، لكنني أريد إذا عدت أن تكون عودتي جديرة بما قدمته وبالمحبة التي منحني إياها الناس. ربما تكون عودتي المقبلة مختلفة، وربما أعود إليكم من خلال كلمة أكتبها قبل أن أقف أمام الكاميرا. المهم أن أعود بشيء أحبه وأحترمه ويحترم جمهوري.


