صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

الشاطئ صورة… والعمق حكاية

«لا تحكم على أعماقهم وأنت لا ترى إلا شواطئهم.»
 شمس الدين التبريزي

 

الأحكام السريعة غالبًا ما تولد من عينٍ ترى ولا تفهم، ومن ظاهرٍ يُختزل فيه الإنسان كله. فليس كل ما تلتقطه النظرة حقيقة، ولا كل ما يُقال يصلح ميزانًا للعدل. بعض القلوب تُدرك ما تعجز عنه العيون.

 

يُروى أن أحدهم حاول أن يوقع بين جلال الدين الرومي وملهمه شمس التبريزي، مدّعيًا أنه رآه يشرب الخمر، وكأن المشهد وحده كافٍ لإسقاط المعرفة. غير أن ردّ الرومي لم يكن دفاعًا أعمى، بل تعبيرًا عن فهمٍ أعمق للإنسان، إذ قال بمعناه:
لو رأيت ثوبه ملطخًا بالخمر لقلت إنها سُكبت عليه، ولو رأيته على جبل يقول «أنا ربكم الأعلى» لقلت إنه يتلو آية.
ثم ختم بقوله: اذهب، فأنا لا أعرف شمسًا بعيني، بل بقلبي.

 

هذه الحكاية لا تتحدث عن شمس أو الرومي بقدر ما تكشف الفرق بين من يعرف الناس بالعين، ومن يعرفهم بالقلب. فالعين تلتقط الصورة، أما القلب فيقرأ السياق، والتجربة، والنية. والفرق بينهما هو الفرق بين الحكم والفهم.

 

كم من إنسان أُسيء الظن به لأنه لم يُجِد التمثيل، وكم من روح نُصِّبت عليها محكمة بسبب تصرّف أُخرج من سياقه. المعرفة الحقيقية لا تأتي من المراقبة، بل من القرب الواعي، ومن الثقة التي تُبنى عبر الزمن لا المشاهد العابرة.

 

لهذا، لا يسيء الظن بك من عرفك بقلبه لا بعينه، لأن القلب حين يعرف، يعذر، وحين يفهم، لا يستعجل الإدانة.
فليتنا نُبطئ أحكامنا، ونوسّع إنسانيتنا، ونتذكر دائمًا أن الأعماق لا تُرى من الشاطئ ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى