مقالات
قبل أن يأتي رمضان… لنرتّب أرواحنا

مضى عام كامل، حمل في طيّاته فقدًا وتغيّرًا وتجارب لم نخرج منها كما دخلناها. تبدّلت قناعات، وهدأت أرواح بعد صخب، وتعلّمنا — أحيانًا على مهل، وأحيانًا على وجع — أن الحياة لا تُبقي أحدًا كما كان. لم تعد قلوبنا بالخفّة ذاتها، لكنها ربما أصبحت أعمق. ولم نعد كما كنّا، وربما في ذلك رحمة لا ندركها إلا متأخرين.
ومع اقتراب رمضان، يقف القلب أمام سؤال صادق:
بأي روح سنستقبله هذا العام؟
نعتاد كل سنة على التجهيزات الظاهرة؛ نرتّب البيوت، نغيّر الجداول، ونستعد للموائد والعبادات. لكن هناك تجهيزًا آخر أكثر ضرورة… تجهيز يبدأ من الداخل. من قلب أثقلته التجارب، ومن روح تحتاج أن تُعيد ترتيب أولوياتها، وأن تُخفّف ما علق بها من خيبات أو عتاب أو انتظار.
رمضان ليس شهر تغيير الوقت فقط، بل شهر تغيير الاتجاه. قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من المظاهر، بل من قرار داخلي صادق، ومن نية أرادت أن تعود، وأن تتخفف، وأن تبدأ من جديد.
رمضان ليس موسمًا عابرًا في التقويم، بل موسم مع الله.
موسم ترتفع فيه قيمة العمل الصغير بنيّة صادقة، وتتسع فيه أبواب المغفرة أكثر مما تتسع أي أسواق.
وأي خسارة أكبر من أن نستعد لكل مواسم الدنيا، ثم نستقبل أعظم مواسم الآخرة بروح منشغلة أو قلب مثقل؟
لقد علّمتنا الأيام أن بعض الأشياء يجب أن تُترك، وبعض العلاقات تُودّع بهدوء، وبعض القناعات تحتاج مراجعة. ويأتي رمضان ليذكّرنا أن صفاء القلب عبادة، وأن القرب من الله ليس بكثرة الأعمال فحسب، بل بصدق التوجّه. وكما قال ابن القيم:
“بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.”
لسنا بحاجة إلى قلوب مثالية، بل إلى قلوب صادقة. ولسنا مطالبين أن ندخل رمضان بلا أخطاء، بل أن ندخله بنيّة الإصلاح. فربّ عمل صغير تعظّمه النية، وربّ خطوة بسيطة تغيّر مسار عامٍ كامل.
رمضان ضيف كريم… لا يطرق أبواب البيوت فقط، بل يطرق أبواب القلوب.
فطوبى لمن فتح له قلبه قبل أن يفتح له بابه، وهيّأ له روحه قبل أن يهيّئ له أيامه.
همسة أمل ..
لسنا كما كنّا، وربما هذا أجمل ما في الأمر. فكل تغيّر فينا هو فرصة لنقترب أكثر من ذواتنا ومن الله. فلنستقبل رمضان هذا العام بقلوب أخفّ، ونوايا أصدق، وأرواح قررت أن تبدأ من جديد… لأن أجمل الاستعداد لرمضان، أن نصل إليه ونحن نريد حقًا أن نكون أفضل.





