صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

تأملات مارس.. (الأنوثة والربيع)

يحتضن شهر مارس في العديد من الثقافات لحظات إلتقاء رمزية الأنوثة بالربيع؛ فهو شهر يجمع بين مناسبتين دوليتين تحتفيان بالأنثى في أدوارها المختلفة في المجتمعات. الثامن من مارس، هو اليوم العالمي للمرأة، والذي يُسلَّط الضوء فيه على إنجازات المرأة وحقوقها ودورها في بناء المجتمعات، وهو يوم ذو بعد ثقافي عالمي. ليأتي بعد ذلك يوم الأم أو مايسمى في بعض المجتمعات بعيد الأم، ليحتفي بالمرأة في الواحد والعشرين من مارس، ومع بدايات الربيع بصورة أخرى أكثر حميمية ودفئ صورة الأم، مصدر بداية الحياة!
سيجعلنا هذا الاحتفاء أمام مفارقة عميقة تحيلنا للسؤال: هل هناك ثمة فارق بين الأنثى كامرأة والأنثى كأم؟
في صندوق اللغة، نعم، فالمرأة أكثر عمومية وشمولا من “الأم”، ولكن خارج هذا الصندوق ما يشي بدلالات أخرى.
فما الأمومة، بل ومن هي الأم؟
هل هناك أمهات خارج سرب الأمومة؟
وهل هناك أمومة خارج سياق الأنوثة؟
سنحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على مثل هذه التساؤلات، فالحديث عن الأمومة كما نعلم لايقف عند جغرافية الحديث عن علاقة بيولوجية بين الأم وطفلها، بل يتخطاها نحو تأملات أشد عمقا في معنى الوجود والكينونة، والماهية، وصولا إلى الامتداد الإنساني؛ فالأمومة تُفهم بوصفها تجربة وجودية روحية عميقة، عندها تتحول المرأة من كائن إلى عالم يحتضن حياة آخرية، ليمنحها معنى وجودها.
في الأمومة تسبق المعرفة بالأمان كل المعارف واللغات، فالطفل يكتشف الوجود بأسره من خلال أمه حتى وهو بين أحشاءها؛ لذلك فالأمومة أساس تكوين الهوية الإنسانية.
تلعب الأمومة مع الأرض دورا تبادليا عن البداية والفناء، فمن اللاوجود والغياب في رحم الأم الى الوجود، ومن الوجود على الارض إلى اللاوجود والغياب في رحم الأرض، وكأن الأم وجها آخر للأرض.
الأمومة كمنظومة فلسفية هي فلسفة للوجود بذاته، فهي كما ذهب إليه “سارتر” عن الوجود تمنح الحياة، وتحميها، وتضمن امتدادها والمحافظة عليها، فالأم تصنع معنى حياتها عبر العناية بوجود آخر ينمو بداخلها وأمامها. ويرى بعض الفلاسفة في الأمومة نموذجا للعطاء والمحبة التي تمنح بدون طلب، إنها نموذج الرحمة وليس الشفقة أو التعاطف التي تنطوي على الاحتياج والعوز؛ فينشأ الإنسان في حضن الأمومة ضمن علاقة لا تقوم على المنفعة، فهي صورة مصغرة لفكرة الفيض الإلهي عند فلاسفة المتصوفة كـ “ابن عربي” حيث يقوم الوجود على المحبة والرحمة؛ من هنا يمكن النظر إلى الأمومة بوصفها التجلي الأقرب لمعنى الرحمة الكونية، فالرحم والرحمة يحملان بعدا روحيا يتجاوز الجسد، كما وجد هذا في تأملات “أبوحامد الغزالي”، و”جلال الدين الرومي”، و “رابعة العدوية” الذين وجدوا تمثلات الحب الحقيقي فيضا كفيض قلب الأم على طفلها.
هذا ما يجعلنا نفكك رابطة نعتقد غالبا أنها بديهية بين الأمومة والأنوثة! فإذا ما نظرنا نظرنا فلسفيًا وإنسانيًا، يمكن القول نعم، يمكن أن توجد أمومة خارج سياق الأنوثة، إذا فهمنا الأمومة بوصفها وظيفة وجودية أو علاقة رعاية لا مجرد حالة بيولوجية، فهناك بعض التصورات الحديثة، سيما في الفلسفة النسوية، تُفهم الأمومة كفعل رعاية واحتضان وتكوين، وهنا يمكن لأي إنسان أن يمارس “الأمومة” بمعناها الرمزي، حتى لو لم يكن أنثى، وهذا ما نجده عند “إيمانويل ليفيناس” على سبيل المثال بأن العلاقة مع الآخر تقوم على مسؤولية عميقة تشبه علاقة الأم بطفلها “عطاء غير مشروط”.
تمتد أبعاد الأمومة، فليست هي فعلا فرديا بل اجتماعيا ثقافي، هي فكرة أن تمنح العالم حيا جديدا ينبض كل يوم ويحيي غيره “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، وعندما تأخذ الأمومة بعدها الثقافي، فإنها تدخل منعطفا أخلاقيا، فالأم لا تنقل الحياة فقط، بل تنقل أيضا الذاكرة الجمعية والثقافية فتكون حلقة وصل بين الطبيعة والثقافة. لكنه وبالرغم من عظم هذا الدور فإن هذا المنعطف الثقافي قد يختزل الأمومة برمزية ذلك الطفل “بمعنى لا أمومة بلا طفل”!
هذا ماجعل من بعض الفلاسفة ينظرون إلى الأمومة كفكرة للإنجاب، أو البنية الاجتماعية للأمومة على أنها استمرار لدورة الألم الإنساني وأن الحب ما هو إلا فخ للوقوع بفكرة التناسل والاستمرارية فحسب، وهذا ما اتضح في أفكار “آرثرشبنهاور” أو “سيمون دي بفوار” حيث يعني الانجاب إعادة إدخال كائن جديد إلى عالم مليء بالمعاناة، عالم تُختزل فيه هوية المرأة بالإنجاب فتصبح الأمومة وسيلة للسيطرة الاجتماعية على المرأة، وتصبح هنا الأمومة مشكلة عندما تتحول إلى قدر مفروض لا خيار حر يعيد انتاج البشر كعبئ بيولوجي غير عادل على المرأة عبر التاريخ،من جهة، أو فرضا للحياة على طفل لم يخترها من جهة أخرى.
لكنه من الواضح أن معظم الفلاسفة الذين انتقدوا الأمومة لم ينتقدوها لذاتها، وإنما لتحويلها إلى رمزية اجتماعية تحصر المرأة في دور الأم. لكن الأمومة عندما تكون كاختيار أو موقف، وليس قدرًا بيولوجيًا، بالتالي قد نجد “أمومة” في الأب، أو المربي، أو حتى في العلاقات الإنسانية التي تتسم بالاحتواء والحماية والعطاء، وهذا يحرر المرأة من الحصر في دور واحد، بل ويمنح الأمومة بُعدًا إنسانيًا أوسع.
من النساء من اقتربن من فلسفة الأمومة، والتي غالبا ما تظهر إما من زاوية فكرية أو أدبية شعرية أو اجتماعية سياسية تمثلت في الدراسات النسوية. فبعضهن تناولن الأمومة بوصفها تجربة إنسانية وروحية، وبعضهن ناقشنها نقديًا ضمن قضايا المرأة والهوية.
وفي هذا الصدد يطالعنا كتاب: الخطاب النسوي في العالم الثالث-دراسة ثقافية مقارنة، وهو عمل أكاديمي مهم في الدراسات النسوية والثقافة، للدكتورة إكرام البدوي. تدور فكرته حول سؤال بحثي رئيس هو:”هل الخطاب النسوي في العالم الثالث خطاب أصيل نابع من تجارب النساء في هذه المجتمعات، أم أنه خطاب مستعار من النسوية الغربية؟”
ناقش الكتاب كيف تحاول بعض الحركات النسوية الدفاع عن الثقافة المحلية مع المطالبة بحقوق المرأة، من خلال تحليل الخطاب النسوي في عدة مناطق من العالم الثالث كالعالم العربي، جنوب شرق آسيا، أمريكا اللاتينية، وبعض التجارب الإفريقية، في ضوء السياقات الاجتماعية والتاريخية التي تشكل تجربة المرأة في هذه المجتمعات، كذلك من خلال التركيز على قضية هوية الخطاب النسوي في العالم الثالث، وهل هو خطاب مستقل أم انه مجرد امتداد للنسوية الغربية. وكيف تتفاعل الثقافات المحلية مع قضايا المرأة، والتعددية داخل النسوية تبعًا للطبقة والبيئة والثقافة، ويفتح هذا الكتاب النقاش حول كيفية مواءمة حقوق المرأة مع الخصوصية الثقافية.
قدمت د. إكرام البدوي أفكارا مهمة في كتابها ومن أحد هذه الأفكار أن النسوية ليست نموذجا عالميا موحدا؛ بل تتشكل بحسب السياق الحضاري لكل مجتمع، لذلك قد تختلف قضايا المرأة في العالم العربي عن قضاياها في أوروبا أو أمريكا وغيرها؛ وعليه فقد ناقشت إشكاليات الهوية الثقافية بين القيم المحلية والنماذج العالمية، والمفاهيم النسوية كالحرية والجسد والأسرة والأمومة، والقضايا الاضافية التي تواجه نساء العالم الثالث غير ” الجندر” كالفقر والأمية والاستعمار، التقاليد الاجتماعية، والطبقية فالمرأة في العالم الثالث ليست فقط ضحية البنية الذكورية، بل هي أيضا حاملة للذاكرة الثقافية للمجتمع.
يسعى الكتاب لبناء نموذجا نسويا تحليلي خارج اطار النموذج الغربي، من خلال كشف الاختلافات البنيوية بالمنهجية المقارنة، التي تمكن الكتاب من خلالها التوصل إلى أن النسوية ليس فقط حركة سياسية اجتماعية، بل كخطاب ثقافي يرتبط فيه تحرر المرأة بتحرر المجتمع ككل، بمعنى أن تحرير المرأة لا يمكن فصله عن قضايا المجتمع، ينطوي هذا الخطاب الثقافي على رؤية المجتمع للمرأة، مفهومه عن الجسد، تصوراته عن الأسرة وأدوارها وتوزيع السلطة.
وعليه فلابد من إستحداث نظرية نسوية محلية تنطلق من الثقافة والتاريخ والتجربة الاجتماعية وليس فقط من النظريات الغربية، لإعادة كتابة تجربة المرأة من داخل ثقافتها.
هذا الكتاب يناقش عمقا فلسفيا يهتم بمعرفة كيف يمكن للمرأة في العالم الثالث أن تطالب بحقوقها دون أن تفقد هويتها الثقافية، وهو سؤال عميق يتجاوز السياسة إلى فلسفة الهوية.
يرتبط هذا الكتاب بفلسفة الأمومة وبالمقاربات الفلسفية والاختلافات حولها، ففي ثقافة العالم الثالث تشكل الأمومة قيمة مركزية فهي مصدر للشرعية الاجتماعية وأساس بنية الأسرة ورمز للاستمرارية الاجتماعية؛ لذلك فنسوية العالم الثالث ينبغي ألا تركز على تحرير المرأة بقدر ماتركز على إعادة تفسير أدوارها الاجتماعية والثقافية، وبالتالي يتوجه الخطاب الفلسفي للأمومة هنا بتفسيرها وليس اقصاءها. تحمل فلسفة الأمومة في نسوية العالم الثالث ضمنيا نوع من السلطة والقوة الأخلاقية داخل الأسرة، وليس بوصفها بنية اجتماعية تقيّد حرية المرأة؛ لذا فالقارئ لهذا الكتاب يخرج بفكرة مؤداها أن تحرير المرأة في العالم الثالث لا يعني بالضرورة التخلي عن الأمومة، بل إعادة تعريفها بحيث تصبح الأمومة مصدر قوة ووعي ثقافي، وقيمة أخلاقية تحمل دورًا حضاريًا يتجاوز الوظيفة البيولوجية.
وأخير، فهذا السياق يحملنا للتفكير في تعددية الأمومة، حيث هناك أمومة خارج السرب، وهي التي قد تكون ألقت الحروب أو الانتهاكات البشرية للإنسانية بظلها عليها، وهنا كيف ستكون تلك الأمومة، بل وهل ستكون أمومة حقا؟! وكيف سيكون منحى الخطاب النسوي تجاهها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى