البروفيسور حامد الرفاعي منارة الفكر ورائد ثقافة الاستخلاف

لم أكن أتصور أن أكتب في يوم من الأيام مقالة رثاء تحكي عن مسيرة سيدي الوالد، المفكر الكبير البروفيسور الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي – رحمه الله تعالى – الفكرية والثقافية والسياسية.. ورغم أنني على اطلاع كبير ودقيق على كل ما كتب ويكتب منذ ما يزيد على 20 عامًا، إلا أنني غير مؤهل لأكتب عن هامة فكرية عملاقة بهذا الحجم المعرفي الموسوعي.. ودخلت في حوار مع نفسي، وقلت لها وأنا أحاورها: إذا لم أكتب عن الوالد رحمه الله وآثاره الفكرية، فمن هو أجدر مني بذلك؟ أليس من أوجب الواجبات عليّ أن أعرّف الأجيال بالمفاهيم والاجتهادات النيرة غير المسبوقة التي وُفِّق إليها سيدي الوالد في التاريخ المعاصر؟
والذي نظّم وشارك، برعاية المملكة، فيما يزيد على (97) ندوة ومؤتمرًا دوليًا حول الحوار والتفاهم بين أتباع الأديان والحضارات، وأجرى 20 دورة حوار مع الفاتيكان، وعددًا من دورات الحوار مع (مجلس كنائس الشرق الأوسط، والمجلس العالمي للكنائس، والمجلس الأمريكي لكنائس المسيح، والمجلس العالمي البوذي، ومجلس الفكر الروسي الثقافي). وقد ضمنها فيما يزيد على 87 كتابًا، وفيما يزيد على 180 بحثًا ودراسة في الميادين الثقافية المتنوعة.. بالإضافة إلى رسائل مختصرة وتغريدات تلمس هموم الأجيال البشرية والمجتمعات، بلغ عددها ما يزيد على مائتي نص.. وأنا كذلك في حيرتي من أين أبدأ؟
فجأة توارد إلى ذهني العبارة التي كان يرددها والدي رحمه الله تعالى باستمرار، وهو يتحدث عن حالة التيه الفكري والسلوكي التي دفعت بهم إلى الإبحار في لجج الفساد والإفساد، واقتراف الحماقات والهلاك والدمار:
(لو أنهم تربوا على ثقافة الاستخلاف، والبناء، وإقامة الحياة، لما استطاع أحد أن يجندهم لصناعة الموت والدمار والفساد).
وهو دائمًا يُحمِّل العلماء والمفكرين والساسة مسؤولية ذلك كله، كما عبّر عن ذلك في المؤتمر الدولي الحاشد الذي عقد في مملكة البحرين عام 2002م، حيث خاطب الحضور قائلاً بالحرف الواحد:
(إنه لمن المحزن جدًا.. أو المؤسف جدًا.. أن يرى المرء أمته منشغلة، أو متشاغلة، عن همها الأكبر في مواجهة تحديات استئصال وجودها، ومسخ هويتها الحضارية، وتدمير أمنها واستقرارها، وتعطيل قدراتها وفعالياتها إقليميًا ودوليًا، والتحول دون استئناف مسيرتها الحضارية، وارتهان إرادتها وانحباس عزيمتها..).
ثم عطف في خطابه رحمه الله ليقول:
ولكن من هذا الذي يرتهن إرادة الأمة؟ ومن الذي يحتبس عزيمتها؟ لا أحسب أن أحدًا يماري إن قلت: إنه افتراق كلمتها وشتات أمرها… ودعوني أسأل أيضًا: ما الذي يفرق كلمتها ويشتت أمرها؟ ما وجدت، بعد طول تأمل، سببًا لذلك سوى اضطراب مفاهيم المراجع العلمية والفكرية للأمة.. أنتم!! إنها مسؤوليتنا جميعًا بلا استثناء).
نعم.. هذا ما كان يشغل فكر والدي رحمه الله تعالى على الدوام (اضطراب مفاهيم المراجع العلمية والفكرية للأمة).. فهل حقًا تعرف أجيالنا، أو يعرف علماؤنا ومفكرونا، من نحن؟ وهل نعلم جميعًا ماذا نريد؟ وهل نستطيع الإجابة على كيفية تحقيق ما نريد؟
وقد أجاب على ذلك رحمه الله، واختصره كما يلي:
من نحن؟:
باختصار.. نحن خلق من خلق الله، وعبيد من عباده، وأمة من أممه.. نؤمن أن الناس سواء، لا تمايز بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح والاستقامة.. ونحن أمة تعتز بالإسلام دينًا وثقافة وهوية، من غير بخس لهوية الآخرين ومآثرهم الحميدة.. ونؤمن بأن قدسية حياة الإنسان وكرامته وحريته ومصالحه قيم عليا في ثقافتنا ونهج حياتنا.. ونحن أمة تُجِل وحدة الأسرة البشرية والأخوة الإنسانية، وتؤمن أن الأرض سكن الناس وخزانة رزقهم، والكون فضاؤهم المشترك، ينبغي المحافظة على سلامته وعدم الإفساد فيه.. ونحن أمة تؤمن بالتنوع البشري والديني والثقافي والحضاري، ونؤمن أن الحضارة بشقها المادي إرث بشري تراكمي، وأن الثقافة مكون أساس في بناء الحضارة البشرية، وهي المصدر الأساس في ظاهرة التنوع الحضاري.. والثقافة والمعرفة والقيم والسلوكيات هي مصدر التمايز بين وحدات البناء الحضاري الإنساني على مدار التاريخ.. ونحن أمة، مع إيمانها الراسخ بتميز خصوصياتها الدينية والثقافية والحضارية، إلا أننا نؤمن إيمانًا راسخًا بأننا شركاء مع الآخر بكل تنوعاته الدينية والثقافية والعرقية واللونية والقومية والسياسية والاقتصادية والجغرافية، من أجل النهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض وعمارتها واستثمار مكنوناتها ومكنونات الكون لصالح الإنسان وقدسية حياته وكرامته.. ونحن أمة تؤمن بأن العدل والسلام هما أساس العلاقات السليمة والآمنة والراشدة بين الأفراد والمجتمعات، وأن الحروب خيارات استثنائية بغيضة توجبها المبررات الشرعية لرد العدوان والبغي والظلم.. ونؤمن بأن تنوع الشرائع السماوية والبشرية الراشدة مصدر لإثراء حركة البناء والتنمية الإيجابية للجميع.. ونحن أمة تُجل العقل وتُعلي من شأنه وتقدّس المواثيق والعهود.. ونحن أمة تؤمن وتؤكد بأن التعاقد بين الأفراد والمجتمعات، وبين الحكام والشعوب، أساس العدل والاستقرار والسير الراشد في تصريف المسؤوليات في ميادين الحياة.
ماذا نريد؟:
بكل بساطة.. نحن أمة تريد أن تكون حرة عزيزة.. حرة عزيزة فيما تعتقد وتؤمن، وحرة عزيزة في اختيار نهج حياتها وفق معتقداتها ورسالتها الربانية الخالدة، وحرة عزيزة في سيادتها وسيادة أوطانها وثرواتها، وحرة عزيزة في صناعة حاضرها ورسم معالم مستقبل أجيالها.. ونحن أمة نحب للآخرين ما نحب لأنفسنا وأجيالنا، وندعو الآخرين لنكون معًا على أساس من الندية والاحترام المتبادل، من أجل بناء عيشنا وأمننا ومصالحنا المشتركة.. ونحن أمة تسعى لبناء ثقافة إنسانية راشدة مشتركة بين الأمم، على أساس من احترام الخصوصيات الدينية والثقافية والأعراف والتقاليد في حركة التثاقف المعرفي بيننا.. ونحن أمة تسعى، ديانة وثقافة ومصلحة، لتحقيق التكامل الأمني والتنموي بين الأمم على المستويات الإقليمية والدولية، ونتطلع للتعاون مع الآخر من أجل بناء ثقافة إنسانية تُجل الكليات الربانية وتحترم الخصوصيات في الفهم والاجتهاد، وتجل قدسية حياة الإنسان وكرامته وحريته، وتصون ممتلكاته ومصالحه، وتحافظ على سلامة البيئة بشقيها المادي والمعنوي.. ونحن أمة تؤكد احترام التوازن والتكامل بين حقوق الإنسان وواجباته، وتسعى لإيجاد تعايش عادل وآمن بين المجتمعات.. ونحن أمة تريد أن تكون شريكة فاعلة في عمارة الأرض وبناء حركة علمية وتقنية عالمية آمنة راشدة، تبني ولا تهدم، تصلح ولا تفسد، تطعم ولا تجوع، تعز ولا تذل، تسعد ولا تشقي.. ونحن أمة نريد أن نكون شركاء في المحافظة على سلامة الأرض وصحة الكون والإنسان وباقي المخلوقات، ونسعى بكل جدية وإخلاص لوضع حد لعبثية الإخلال بطبيعة فطرة الإنسان وسلامة البيئة ووقف ممارسات إفساد رسالتهما الحضارية في الحياة.
كيف نحقق ما نريد؟:
إن رؤيتنا وقيمنا ووسائلنا الميدانية التي نلتزم بها لتحقيق ما نريد هي:
(الحوار، والتعارف، والتعاون، والتضامن، والتنافس، والتراحم، والتسامح، والتنافع، والتناصح)، التي نسعى من خلالها لتأسيس تفاهم وعمل بشري مشترك، يحترم الخصوصيات ويعظم الكليات والجوامع بين الثقافات، وذلك للنهوض بمهمة عمارة الأرض وإقامة الحياة.. فالمسلم يؤمن بأن العمل المشترك بين الناس توجبه حقيقة إيمانه بأن:
الاستخلاف في الأرض مهمة إنسانية مشتركة.
المادة والمخلوقات الأخرى شريكة الإنسان في مهمة الاستخلاف.
المادة والمخلوقات حيادية لا تحابي أحدًا على حساب أحد في أداء مهمتها في عمارة الكون.
فرص النجاح في عمارة الأرض متاحة للبشر دون تمييز.
توزيع الثروات في الأرض سنة ربانية لتقوم قاعدة الحاجة والتضامن بين المجتمعات.
الأرض سكن البشرية وخزانة رزقهم المشترك.
العبادة في الإسلام نوعان: (روحية وعمرانية)، والعبادة الروحية من الخصوصيات الدينية، أما العبادة العمرانية فهي كل جهد بشري يُبذل طاعة لله من أجل عمارة الأرض واستثمار ثرواتها لصالح كرامة الإنسان.
ويقرر الإسلام أن التنوع في الشرائع السماوية والبشرية الإيجابية ينبغي أن يكون منطلقًا للتنافس في الخير وإقامة العدل.
والإسلام يقرر أن أمن المجتمعات واحد لا يتجزأ، وأن المسؤوليات تجاهه متلازمة ومتكاملة إقليميًا ودوليًا لتحقيق العدل والسلام والاستقرار والتنمية الراشدة.
هذا، وإن لسيدي الوالد البروفيسور الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي – رحمه الله تعالى – نظرات حكيمة في مناحي الحياة المختلفة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الإنسانية.. ومن أجود ما كتب، وهو يشخص تحديات الأمة، مسألة الاضطراب القائم بين (فقه تدين الدولة وفقه تدين الأفراد)، وما كتبه بشأن مفاهيم (الحريات، والديمقراطية، والعلمانية، والعولمة)، وكذلك ما أبحر فيه من معاني (حقيقة الاستخلاف في الأرض)، وله رؤية عميقة في (العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم).
ومن روائع فكره رحمه الله تعالى ما كتبه بشأن رؤيته تجاه العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، فقد أوجزها بقوله:
أصل الإسلام عددًا من المواثيق لترشيد المسار الحضاري البشري، من أجل عمارة راشدة للأرض، وإقامة حياة آمنة للناس أفرادًا ومجتمعات، منها: (ميثاق المواطنة – العقد الاجتماعي الوطني).
هذه المواثيق بتنوعها، يحفل بها القرآن الكريم والسنة المطهرة، تكون بتكاملها المنطلق الأساس لعقد المواطنة في نظام الإسلام وشريعته.. عقد يؤكد أن:
المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والعرقية أمة واحدة، تتساوى مصالحهم، وتتكامل حقوقهم وواجباتهم، وأن أمنهم ومصيرهم واحد، من غير تمايز ولا تفاضل بينهم.
وميثاق المواطنة (العقد الاجتماعي الوطني) يكفل لكل مواطن ممارسة حقوقه وأداء واجباته سواء بسواء.
ويقول مفكرنا الكبير رحمه الله تعالى: “الخبرة ليست القدرة في الإجابة عن الأسئلة، ولكن الخبرة هي القدرة على طرح أسئلة دقيقة وصحيحة”.
وبعد، فإنني لأحمد الله تعالى الذي وفقني لأكتب هذه المقالة عن سيدي الوالد رحمه الله تعالى.. فما جاء فيها من زلل فمن نفسي وضعفي، وما جاء فيها من صواب فهو بفضل الله تعالى، ثم بفضل ما وُفِّق وسُدِّد إليه والدي الحبيب من فكر ومفاهيم واجتهادات حكيمة نيرة راشدة.. اللهم أسألك أن ترحم والدي، وأن تكرم نزله، وتيمن كتابه، وتعطر ثراه، كما عطر عقولنا وقلوبنا.. آمين اللهم آمين.

البروفيسور الدكتور حامد الرفاعي – رحمه الله تعالى





