مقالات
سئمتِ الأوراقُ من الشجر، فأصبح الخريفُ عذرًا…

لم تسقط الأوراق عبثًا، ولم يكن الخريف قاسيًا كما يُظن؛ بل لأنها تعبت من التمسّك. طويلًا وهي تتشبّث بما لم يعد يمنحها الحياة، تحاول أن تبقى خضراء في بيئةٍ لم تعد ملائمة لها، حتى تسلّل إليها الجفاف بهدوء، وتغيّر لونها دون ضجيج.
فالجفاف لا يأتي فجأة، بل يبدأ حين ينقطع ما يُغذّي الروح، وحين يتحوّل البقاء إلى استنزافٍ صامت. عندها لا يكون السقوط ضعفًا، بل نتيجة طبيعية لمرحلةٍ طال بقاؤها أكثر مما ينبغي. وحين تتغيّر البيئة، يصبح التمسّك إنكارًا للذات لا وفاءً لها؛ فالأوراق لا تكره الشجر، لكنها تدرك أن ما كانت تتغذّى عليه لم يعد كما كان، فتختار الرحيل حفاظًا على ما تبقّى منها.
الخريف في العلاقات يتسلّل بهدوء، دون صخب أو مواجهة واضحة. تخفّ حرارة المشاعر، وتبهت الكلمات، وتفقد التفاصيل الصغيرة معناها. يقلّ الحضور، ويبرد الاهتمام، وتصبح المبادرات من طرفٍ واحد، وكأن العلاقة ما زالت قائمة في شكلها… لكنها فقدت روحها في داخلها. لا خصام كبير، ولا سبب حاسم، فقط شعور داخلي بأن ما كان حيًّا… لم يعد كذلك.
نحاول أحيانًا إنعاش ما ذبل، ونتمسّك بما تبقّى، ونؤجل الاعتراف بأن الفصل تغيّر. لكن الحقيقة البسيطة: أن ما لا يُسقى… يذبل، وما لا يُغذّى… ينطفئ. والعلاقات، كالأشجار، لا تموت فجأة، بل تمرّ بمواسم، لكل موسم علاماته.
وكذلك الإنسان… قد يستمر بدافع الأمل أو الخوف أو العادة، حتى يُرهق نفسه في محاولات البقاء، وينسى أن من الحكمة أن يعرف متى يتوقّف. وكما قيل:
“لا تُرهق نفسك في البقاء حيث لا تُزهر.”
“من أراد البقاء تمسّك، ومن أراد الرحيل بحث عن عذر.”
فبعض الأعذار ليست إلا مخرجًا لقرارٍ اتُّخذ في الداخل منذ وقتٍ طويل. وكما يُنسب إلى الشافعي:
“إذا لم تجد لك في القلوب مكانًا، فلا تتعب نفسك في طرق الأبواب.”
همسة أمل…
ليس كل من ابتعد كان ضحية ظروف، فبعض القلوب حين تُقرّر، تُهيّئ الأسباب ليبدو الرحيل وكأنه قدَر. لكن الحقيقة أن من أرادك، لوجد طريقًا للبقاء، ومن لم يُردك، جعل من أبسط الأسباب خريفًا يليق بالوداع.
الخريف لا يعني الفشل، بل يعني أن شيئًا ما أكمل دورته في حياتك. فكما تتساقط الأوراق لتُفسح المجال لجديدٍ أن ينمو، تتلاشى بعض العلاقات لتترك لك مساحةً تبدأ فيها من جديد… بوعيٍ أكبر.
وكما قال جلال الدين الرومي:
“ما لم تتعلّم كيف تغادر، ستبقى عالقًا في أماكن لا تُشبهك.”
فالخريف ليس قسوة فصل… بل وضوح قرار،
وأحيانًا تكون النجاة في أن تترك ما لم يعد يُشبهك.






