صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

حين يكون الصمت هيبة

ليس الصمت مجرد غيابٍ للكلمات، بل حضورٌ مختلف… حضورٌ لا يُسمع، لكنه يُشعَر. وفي عالمٍ يزدحم بالأصوات، يصبح الهدوء لافتًا، ويغدو الصمت .. حين يكون وعيًا .. أحد أعمق أشكال القوة.

وقد قيل في الموروث العربي: “بكثرة الصمت تكون الهيبة”، وهو معنى ينسجم مع قول علي بن أبي طالب: “إذا تمّ العقل نقص الكلام.” فالعقل الناضج لا يندفع إلى الكلام، بل يزن الكلمة كما يزن الموقف.

لكن ليس كل صمتٍ هيبة؛ فثمة فرق بين صمتٍ واعٍ يصنع حضورًا، وسكوتٍ يختبئ خلف ترددٍ أو عجز. فالصمت اختيار، والسكوت أحيانًا انكسار. وكما قال جبران خليل جبران: “الصمت بحرٌ من المعاني التي لا تُقال.”

ومن زاوية أعمق، لا يرد الإنسان الناضج على كل ما يُقال، لأن بعض الردود تُفقده اتزانه أكثر مما تحفظ له حقه. لذا يختار متى يتكلم، ومتى يصمت، كما قال أرسطو: “تكلم فقط عندما يكون لديك ما هو أفضل من الصمت.”

وهناك من يرفع صوته ليُرى، وهناك من يكفي حضوره ليُحترم. فالكاريزما الصامتة لا تطلب الانتباه، بل تفرضه بهدوء وثبات. وقد قال شكسبير: “الصمت أبلغ تعبير عن الاحتقار.” وفي أعمق معانيه… هو أيضًا تعبير عن السيطرة واتزان الذات.

وليس كل استفزاز يستحق ردًا، فبعض المواقف لا تُواجه بالكلام، بل بالوعي الذي يعرف قيمته جيدًا.

همسة أمل…
أحيانًا يكون الصمت رسالة أوضح من ألف كلمة، ليس هروبًا، بل إدراكٌ للقيمة. فالتجاهل حين يكون وعيًا، لا ضعفًا، يصبح حماية للسلام الداخلي لا أكثر.

وقد قيل: “إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب.”
لكن الأهم من الصمت نفسه… هو وعيك متى يكون ذهبًا، ومتى يكون عبئًا.

فمن يُكثر الكلام يستهلك أثره، ومن يقلّ كلامه تُحسب كلماته. فالقيمة ليست في كثرة ما نقول، بل في عمق ما نتركه من أثر.

الصمت ليس فراغًا… بل امتلاء.
وحين يُدار بوعي، يتحول إلى هيبة لا تُطلب… بل تُفرض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى