صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

الاوبئة وصراع النفوذ في جدة تتبعا دقيقا لأهم مفاصل التاريخ.


في إصداره الجديد «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة» يقدم الدكتور محمد انور مسلم نويلاتي عملًا بحثيًا استثنائيًا يفتح من خلاله أبواب التاريخ على واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدًا في تاريخ مدينة جدة خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهي مرحلة لم تكن فيها الأوبئة مجرد أحداث صحية عابرة، بل تحولات كبرى أعادت تشكيل موازين النفوذ السياسي والاقتصادي في المنطقة.

فالكتاب لا يكتفي بتوثيق تفشي الأمراض والأوبئة التي اجتاحت جدة، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، ليكشف كيف تحولت تلك الأزمات الصحية إلى أدوات استراتيجية استخدمتها القوى الاستعمارية الكبرى لتوسيع نفوذها وفرض هيمنتها تحت غطاء “حماية الصحة العالمية” و”تنظيم شؤون الحج والموانئ”. ومن هنا تتجلى أهمية هذا الإصدار؛ إذ يعيد قراءة التاريخ من زاوية مختلفة تتجاوز السرد التقليدي إلى تحليل عميق للعلاقة المعقدة بين السياسة والصحة والاقتصاد والنفوذ الدولي.

لقد كانت جدة، بحكم موقعها الجغرافي الفريد وبوصفها البوابة البحرية للحرمين الشريفين، مركزًا حيويًا تتقاطع فيه المصالح الدولية والحركة التجارية وطرق الحج القادمة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ومع الثورة الصناعية وظهور السفن البخارية وتسارع حركة الملاحة الدولية، أصبحت المدينة في قلب شبكة عالمية متشابكة، الأمر الذي جعل أي وباء فيها يتجاوز البعد المحلي ليتحول إلى قضية دولية تستدعي التدخل والمراقبة والضغط السياسي.

ومن خلال جهد بحثي واضح وتحليل دقيق للوثائق التاريخية والمصادر النادرة وغير التقليدية، ينجح الدكتور محمد مسلم نويلاتي في تفكيك كثير من الروايات السائدة، موضحًا كيف استغلت القوى الاستعمارية ـ وعلى رأسها بريطانيا ـ المخاوف الصحية لتبرير حضورها السياسي والإداري في المنطقة، مستفيدة من حالة التراجع التي كانت تعانيها الدولة العثمانية وضعف أدواتها الإدارية والرقابية آنذاك.

ويكشف الكتاب كيف أن المؤتمرات الصحية الدولية والإجراءات الحجرية التي كانت تبدو في ظاهرها إنسانية وصحية، كانت في أحيان كثيرة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والتحكم في الموانئ وخطوط الملاحة وحركة الحجاج والتجارة. وهنا تتجلى براعة المؤلف في الربط بين التفاصيل الصحية اليومية وبين الصورة الكبرى للصراع الدولي الذي كانت جدة إحدى ساحاته المهمة.

ولا تقتصر قيمة الكتاب على الجانب التاريخي فحسب، بل تتعداه إلى بعد فكري ومعرفي معاصر؛ إذ يجعل القارئ يعيد التفكير في مفهوم “الصحة العالمية” ودورها في العلاقات الدولية، ويطرح تساؤلات عميقة حول كيفية توظيف الأزمات والكوارث لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية. وكأن المؤلف يلمح إلى أن التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة، وأن أدوات النفوذ قد تتغير في ظاهرها بينما تبقى أهداف الهيمنة ثابتة عبر الزمن.

كما يتميز أسلوب الدكتور محمد مسلم نويلاتي بقدرته على الجمع بين الرصانة الأكاديمية والسرد المشوق، مما يجعل الكتاب قريبًا من القارئ العام دون أن يفقد قيمته العلمية العالية. فهو لا يقدم معلومات جامدة، بل يصنع مشهدًا تاريخيًا حيًا تتحرك فيه القوى الكبرى والموانئ والسفن والأوبئة والقرارات السياسية في لوحة مترابطة تكشف حجم التحولات التي شهدتها المنطقة في تلك الحقبة.

إن «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة» ليس مجرد كتاب تاريخي يوثق مرحلة مضت، بل هو قراءة نقدية واعية لطبيعة العلاقات الدولية وكيفية صناعة النفوذ عبر بوابات متعددة، من بينها بوابة الصحة العامة. كما أنه يمثل إضافة نوعية للمكتبة التاريخية السعودية والعربية، لما يحتويه من طرح مختلف ورؤية تحليلية عميقة تستحق التقدير والاحتفاء.

وسيجد الباحثون والمهتمون بتاريخ جدة والجزيرة العربية والعلاقات الدولية في هذا الإصدار مادة ثرية تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ المنطقة ظل لفترة طويلة بحاجة إلى هذا النوع من القراءة التحليلية الجادة. لذلك فإن هذا الكتاب لا يروي تاريخ الأوبئة فحسب، بل يروي أيضًا تاريخ النفوذ والصراع الدولي، ويمنح القارئ فرصة لفهم أعمق لكيفية تشكل الأحداث الكبرى خلف الكواليس السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى