بين حسرة الأمس وخوف الغد… يضيع الحاضر
كم من يومٍ أشرق علينا ونحن نحمل أعباء الأمس، أو نترقب مخاوف غدٍ لم يأتِ بعد؟ وكم من لحظة جميلة مرّت أمامنا دون أن نعيشها حقًا لأن عقولنا كانت عالقة بين ما كان وما قد يكون؟
استمعت في أحد البودكاستات إلى عبارة للدكتور عباد العتيبي يقول فيها:
“بين الماضي المؤلم والمستقبل المعتم نفقد الحاضر.”
توقفت طويلًا عند هذه العبارة؛ لأنها لا تصف حالة فردية أو تجربة عابرة، بل تلخص واقعًا يعيشه كثير من الناس. فبين ذكريات الأمس وهواجس الغد يضيع الزمن الوحيد الذي نملكه حقًا: الحاضر.
الماضي… حين تتحول الذكريات إلى عبء
لا يخلو إنسان من تجربة تركت في نفسه أثرًا، أو خسارة تمنى لو أنها لم تحدث، أو موقف كان يتمنى لو أنه تصرف فيه بطريقة مختلفة. لكن المشكلة لا تكمن في وجود الذكريات، بل في أن تتحول إلى محطة إقامة دائمة.
فبعض الناس يستهلكون أعمارهم في مراجعة ما مضى، ويظنون أن العودة المتكررة إلى الألم ستمنحهم إجابة أو تعيد إليهم ما فقدوه، بينما الحقيقة أن الماضي لا يتغير مهما أعدنا التفكير فيه.
يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي:
“ليست العبرة بما حدث لك، بل بما أحدثه فيك.”
فالتجارب المؤلمة لم تأتِ لتكسرنا، بل لتعلّمنا. وما مضى لا ينبغي أن يكون قيدًا نجرّه خلفنا، بل درسًا نحمله معنا لنصبح أكثر وعيًا ونضجًا وقوة.
المستقبل… حين يسرق القلق طمأنينة اليوم
وإذا كان الماضي يقيّد بعض الناس بقيود الندم، فإن المستقبل يفعل الأمر ذاته بقيود القلق.
فهو صفحة لم تُكتب بعد، لكن كثيرًا من الناس يملؤونها بالمخاوف قبل أن يقرأوا سطرًا واحدًا منها. نخشى الفشل قبل أن نحاول، ونقلق من الخسارة قبل أن تقع، ونرهق أنفسنا باحتمالات لا نعلم إن كانت ستحدث أصلًا.
فنعيش معارك كاملة داخل عقولنا، بينما الواقع ما زال هادئًا. والحقيقة أن القلق لا يغير المستقبل، كما أن الخوف لا يمنع الأقدار، بل يحرم الإنسان من راحته في يومه.
فكم من أمر أقلقنا طويلًا ثم مرّ بسلام، وكم من باب ظننّاه مغلقًا فإذا الله يفتح لنا خيرًا لم يكن في الحسبان.
الحاضر… النعمة التي نغفل عنها
بين اجترار الماضي والخوف من المستقبل تحدث خسارة لا ننتبه إليها غالبًا، وهي ضياع الحاضر.
فنحن لا نخسر أعمارنا دفعة واحدة، بل نخسرها لحظة بعد أخرى حين نغيب عنها. تضيع منا لحظات السكينة، والأوقات الجميلة، والفرص الصغيرة التي كان يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا في حياتنا.
ولعل المشكلة ليست في أن الماضي يؤلمنا، ولا في أن المستقبل يجهلنا، بل في أننا نمنحهما من وقتنا وطاقتنا أكثر مما يستحقان، فنفقد اللحظة الوحيدة التي نستطيع أن نعيشها ونؤثر فيها.
يقول سينيكا:
“بينما نؤجل الحياة، تمرّ الحياة.”
وهي حقيقة تستحق التأمل؛ فالحياة لا تنتظر حتى ننتهي من حزننا على الأمس، ولا حتى نتأكد مما سيحدث غدًا، بل تمضي بهدوء، ومن لا ينتبه للحظة الراهنة قد يكتشف متأخرًا أنها كانت تمر أمامه كل يوم.
ويقول الإمام الشافعي:
“ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.”
وهي حكمة تختصر جوهر الطمأنينة؛ فالماضي انتهى، والمستقبل لم يأتِ بعد، أما هذه اللحظة فهي رأس مال الإنسان الحقيقي.
الماضي مدرسة نتعلم منها، لا منزلًا نقيم فيه. والمستقبل هدف نسعى إليه، لا عبئًا نحمله فوق أرواحنا.
ولعل أعظم ما يتعلمه الإنسان مع مرور الأيام أن السلام لا يأتي من تغيير الماضي، ولا من ضمان المستقبل، بل من حسن عيش اللحظة التي بين يديه الآن.
فالحياة لا تُعاش في الأمس الذي انتهى، ولا في الغد الذي لم يأتِ بعد، وإنما في هذه اللحظة التي بين أيدينا الآن. وكل لحظة نغيب عنها انشغالًا بالماضي أو قلقًا من المستقبل هي جزء من عمرنا يمضي دون أن نعيشه حقًا.
همسة أمل
دع الماضي بكل آلامه يمضي، وخذ من تجاربه دروسها وحكمتها، ولا تجعل جراح الأمس تحجب عنك نعم اليوم.
وابتعد عن القلق والخوف مما هو آتٍ، فالمستقبل غيب في علم الله، لا يملكه بشر ولا يحيط به أحد. اسعَ إليه بكل ما أوتيت من جهد، وخطط له بما تستطيع، ثم أودعه لرب كريم لا تضيع عنده الأمنيات ولا تخيب معه الآمال.
وعِش الحاضر بقلب حاضر، واستمتع بلحظاته، وامنح نفسك حق الفرح بما بين يديك الآن؛ فربما كانت هذه اللحظة التي تعيشها اليوم النعمة التي ستتمنى يومًا لو عشتها مرة أخرى ..






