خبراء: تمكين الأيتام ذوي الظروف الخاصة يبدأ ببناء الإنسان وينتهي بمواطن يسهم في تنمية وطنه

لم يعد الاهتمام بالأيتام ذوي الظروف الخاصة يقتصر على توفير الرعاية الأساسية، بل أصبح التحدي الحقيقي يتمثل في تمكينهم ليكونوا أفرادًا مستقلين ومنتجين، قادرين على خدمة أنفسهم والإسهام في تنمية مجتمعهم ووطنهم. ويجمع مختصون وتربويون وأكاديميون على أن بناء الإنسان نفسيًا وتعليميًا واجتماعيًا هو الأساس لصناعة مستقبل هذه الفئة، وأن الاستثمار فيها يمثل استثمارًا في مستقبل الوطن.
وفي استطلاع أجرته الدكتورة وسيلة محمود الحلبي، أكدت نخبة من المختصين والخبراء أن منح الأيتام فرصة حقيقية للحياة يبدأ بالاحتواء الأسري، ويمر بالتعليم والتأهيل والتمكين، وصولًا إلى مواطن صالح يعتز بدينه، ويشارك في بناء وطنه بعلمه وعمله.
ورأت عضو مجلس إدارة جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة الأستاذة منى الغامدي أن اليتيم لا يحتاج إلى الشفقة بقدر حاجته إلى فرصة حقيقية، مؤكدة أن توفير بيئة آمنة، وتعليم نوعي، ورعاية نفسية واجتماعية، مع غرس القيم والثقة بالنفس، يصنع إنسانًا قادرًا على تحقيق ذاته والعيش بكرامة.

أ. منى الغامدي
وأضافت أن رسالة جمعية كيان لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، وإنما تمتد إلى تمكين الأيتام ليكونوا أفرادًا صالحين لأنفسهم، متمسكين بقيم دينهم، ومواطنين منتجين يسهمون في تنمية وطنهم، مؤكدة أن نجاح الكفالة يقاس بقدرتها على صناعة إنسان قادر على العطاء.
وانتقلت الأخصائية النفسية الأستاذة هدى سيلان، عضو مجلس الإدارة السابق بجمعية كيان، إلى الجانب النفسي، موضحة أن التمكين الحقيقي يبدأ ببناء الهوية الذاتية وتعزيز الثقة بالنفس، من خلال الاحتضان الأسري، والدعم النفسي المستمر، والدمج المجتمعي المبكر، بما يرسخ شعور الطفل بالأمان والانتماء.

هدى سيلان
وأكدت أن المرحلة التالية تتمثل في التأهيل العلمي والمهني، عبر توفير فرص التعليم والتدريب في التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، وتنمية المهارات الحياتية والقيادية، إلى جانب تعزيز الشراكات بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص لتوفير فرص التدريب والتوظيف، ودعم الاستقرار السكني والاجتماعي، بما يضمن انتقال الشاب إلى مرحلة الاستقلال بثقة.
وفي السياق ذاته، أكدت عضو مجلس إدارة جمعية كيان الأستاذة ثريا بنت سعيد الغامدي أن البداية الحقيقية تكمن في الإيمان بقدرات الأيتام، لا في التركيز على ظروفهم، مشيرة إلى أن توفير التعليم والرعاية والتمكين والدعم النفسي يصنع إنسانًا واثقًا بنفسه، قادرًا على الإبداع والعطاء، ويهيئه ليكون مواطنًا يسهم في نهضة وطنه.
ومن زاوية اجتماعية، دعا المستشار المتقاعد الأستاذ عيسى الزرعوني إلى تعزيز العلاقة الإنسانية بين الكافل واليتيم، معتبرًا أن التواصل المباشر يرسخ مشاعر الانتماء ويحقق أثرًا تربويًا واجتماعيًا أعمق، إلى جانب استمرار الجمعيات في إدارة برامج التعليم والتأهيل والتوظيف حتى يصل اليتيم إلى مرحلة الاستقلال الكامل.

أ. عيسى الزرعوني
وأشار إلى أهمية منح أبناء هذه الفئة أولوية في فرص التدريب والتوظيف، بما يساعدهم على بناء مستقبلهم وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وقدم نائب رئيس جامعة أيبكسي العالمية الدكتور مشعل بن ياسين المحلاوي رؤية متكاملة تقوم على أربعة محاور رئيسة، تبدأ بالإعداد النفسي والعاطفي من خلال توفير بيئة أسرية مستقرة والدعم النفني والدمج المجتمعي، ثم البناء القيمي عبر غرس الأخلاق وتعزيز المسؤولية والإيجابية.
وأوضح أن المحور الثالث يتمثل في التميز العلمي والمهني، من خلال اكتشاف المواهب، وتوفير التعليم النوعي، وإكساب الأيتام مهارات المستقبل، بينما يركز المحور الرابع على تعزيز روح المواطنة وإشراكهم في المبادرات التطوعية، مع استمرار الدعم بعد بلوغهم سن الرشد لضمان اندماجهم في المجتمع واستقرارهم.
وأكد أن نجاح برامج الرعاية يتحقق عندما تنتقل من تقديم المساعدة إلى صناعة الأثر، عبر إعداد أفراد قادرين على خدمة أنفسهم ومجتمعهم.
من جانبها، شددت الدكتورة منال بنت عبد الكريم الرويشد، الرئيس السابق لمجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، على أهمية التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي في توفير الرعاية الشاملة، مشيرة إلى أن التدخل المبكر واكتشاف المواهب وتطويرها يمثلان ركيزة أساسية في تحسين مستقبل الأيتام.

د.منال بنت عبد الكريم الرويشد
وأكدت أهمية تصميم برامج تدريبية تؤهلهم لسوق العمل، إلى جانب إحياء الحرف والمهن اليدوية لمن يمتلكون الميول المناسبة، بما يحقق لهم الاستقلال الاقتصادي ويحولهم إلى عناصر منتجة في المجتمع.
واختتم رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية لصعوبات التعلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان الاستطلاع بالتأكيد على أن أعظم صور الإحسان تتمثل في تمكين الإنسان حتى يصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه، موضحًا أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالتعليم، والتأهيل، والصحة النفسية، وغرس القيم، وتنمية المهارات، وترسيخ روح المسؤولية والانتماء.

د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
وأضاف أن كل يتيم يحمل في داخله مشروع نجاح ينتظر من يكتشفه ويمنحه الفرصة، وأن المجتمعات لا تنهض بما تمتلكه من موارد فقط، وإنما بما تصنعه من إنسان مؤهل قادر على الإبداع والعطاء.
واتفق المشاركون في الاستطلاع على أن تمكين الأيتام ذوي الظروف الخاصة لا يتحقق بمجرد توفير الرعاية المعيشية، بل ببناء منظومة متكاملة تبدأ بالاحتواء الأسري، وتستمر بالتعليم والتأهيل والتمكين، وتنتهي بإعداد مواطن صالح، واثق بنفسه، يسهم بعلمه وعمله في خدمة دينه ووطنه ومجتمعه.






