السعودية وفرنسا.. تقاطع المصالح واتساع الدور في معادلات المنطقة
تكتسب زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الجمهورية الفرنسية أهمية سياسية واستراتيجية في توقيت بالغ الحساسية إقليميا ودوليا، وسط ملفات تتصدرها تطورات الشرق الأوسط، وأمن الطاقة والممرات البحرية، إلى جانب مستقبل الشراكة السعودية الفرنسية التي تقترب من إكمال قرن من العلاقات الممتدة بين الرياض وباريس.

وغادر سمو ولي العهد اليوم الجمعة إلى فرنسا في زيارة دولة، بناء على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، واستجابة للدعوة الموجهة من فخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في محطة جديدة لمسار سياسي واقتصادي ودبلوماسي تطور على مدى عقود، وانتقل في السنوات الأخيرة إلى مستوى أكثر شمولا.
ملفات المنطقة على طاولة الرياض وباريس
وتأتي الزيارة وسط تحولات متسارعة تشهدها المنطقة، وما يرتبط بها من تحديات تمس الأمن والاستقرار وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحرية الملاحة، ما يمنح المشاورات السعودية الفرنسية أهمية إضافية في ضوء المكانة السياسية والاقتصادية للمملكة، وموقع فرنسا قوة أوروبية ودولة دائمة العضوية في مجلس الأمن.
ويشكل أمن واستقرار الشرق الأوسط أحد أبرز مسارات التنسيق بين البلدين، إلى جانب القضية الفلسطينية وتطورات لبنان وسوريا واليمن وأمن الخليج، فضلا عن الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى خفض التصعيد ومعالجة الأزمات عبر الحلول السياسية.
وتحظى العلاقة بين الرياض وباريس بأهمية خاصة لدى الجانب الفرنسي، في ظل الدور المحوري للمملكة في المنطقة، فيما تمثل فرنسا بالنسبة للمملكة شريكا أوروبيا مهما يتمتع بثقل سياسي وعسكري واقتصادي وقدرة على الإسهام في معالجة عدد من الملفات الدولية والإقليمية.
من فيصل وديغول.. جذور صنعت شراكة ممتدة
ولا تبدأ قصة العلاقات السعودية الفرنسية من حسابات اللحظة الراهنة؛ فجذورها تمتد إلى عام 1926، قبل أن تتطور العلاقات الدبلوماسية بإنشاء بعثة فرنسية في جدة عام 1932.
وجاءت زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- إلى فرنسا عام 1967 ولقاؤه الرئيس الفرنسي شارل ديغول لتشكل محطة بارزة في تاريخ العلاقة بين البلدين، إذ فتحت آفاقا أوسع للتعاون السياسي والاقتصادي، وأسست لمسار استمر في التطور خلال العقود التالية.
ومن لقاء فيصل وديغول إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حافظت العلاقات على مسارها المتنامي، مع انتقالها تدريجيا من العلاقات الثنائية التقليدية إلى شراكة متعددة المجالات.
مجلس للشراكة الاستراتيجية
وشهد ديسمبر 2024 محطة مهمة في هذا المسار خلال زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة، حيث اتجه البلدان إلى ترسيخ شراكتهما عبر خارطة طريق ومذكرة تفاهم لتشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي.
وفتح هذا الإطار مساحة أوسع للتعاون في قطاعات الاقتصاد والاستثمار والتنمية البشرية والثقافة والتعليم والبحث العلمي والتقنية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الأمن والدفاع والقضايا المرتبطة بالاستقرار الإقليمي والدولي والتحديات العالمية.
وتتقاطع هذه المجالات مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة، وما توفره من فرص للشركات والاستثمارات الفرنسية في عدد من المشاريع والقطاعات الواعدة، بالتوازي مع نمو العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.
شراكة دفاعية ومرونة استراتيجية
ويحتل التعاون الدفاعي موقعا مهما ضمن العلاقات السعودية الفرنسية، في إطار توجه المملكة إلى تنويع شراكاتها ومصادرها الدفاعية، وتوسيع مجالات التعاون في الصناعات العسكرية والتدريب والصيانة ونقل المعرفة والتقنيات.
ويمنح تعدد الشراكات المملكة مساحة أوسع لتعزيز قدراتها الوطنية وبناء علاقات دفاعية متوازنة مع القوى الدولية، فيما تمثل فرنسا أحد أبرز الشركاء الأوروبيين في هذا المجال.
السياسة في قلب العلاقة
ولا تنحصر الشراكة في الاقتصاد والدفاع؛ إذ يمثل التنسيق السياسي أحد أعمدتها الرئيسية، خصوصا في القضايا التي تتصل مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها.
وتتقاطع مواقف الرياض وباريس في عدد من الملفات عند أولوية خفض التصعيد، ودعم الحلول السياسية، وتعزيز فرص السلام، إلى جانب مكافحة الإرهاب والتطرف والعمل المشترك في مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود.
ويبرز الملف اللبناني ضمن ساحات الاهتمام المشترك، بالنظر إلى حضور المملكة التاريخي في دعم أمن لبنان واستقراره ومؤسساته، إلى جانب العلاقات الفرنسية الممتدة مع بيروت، بما يمنح التنسيق بين الرياض وباريس أهمية في دعم سيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
زيارة تتجاوز العلاقات الثنائية
وبعد نحو قرن من بدايات العلاقة بين البلدين، تدخل زيارة سمو ولي العهد إلى فرنسا ضمن مرحلة تتجاوز مفهوم الزيارة الثنائية التقليدية، في ظل ثقل المملكة المتنامي إقليميا ودوليا، والدور الفرنسي داخل أوروبا ومجلس الأمن.
ومن إرث الملك فيصل وشارل ديغول إلى شراكة خادم الحرمين الشريفين والرئيس إيمانويل ماكرون، وصولا إلى الحضور القيادي لسمو ولي العهد في صياغة علاقات المملكة الدولية، بقي الخط السعودي الفرنسي ممتدا، فيما تفتح زيارة باريس فصلا جديدا عنوانه توسيع الشراكة وتنسيق المواقف تجاه منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية.






