صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

ربّان الرحلة


حين لا تكون العاصفة هي الخطر… بل من يمسك الدفّة !
مع بداية عام 2026، لا نحتاج وعودًا كبيرة بقدر ما نحتاج وعيًا أصدق. لا نحتاج أن نكون أقوى من العاصفة، بل أن نعرف من يقودنا حين تشتدّ.

وسط بحرٍ متقلّب، لا يُلام الموج على اضطرابه، ولا الرياح على تقلّبها،لكن السؤال الحقيقي يبقى:
من يمسك الدفّة؟

حياتنا، نشبه سفنًا تمخر عُباب الأيام،
نواجه عواصف الفقد، ورياح الخيبة، وضباب الحيرة.
وليس الخطر في العاصفة ذاتها، بل في أن نترك القيادة للخوف، أو للاندفاع، أو للآخرين.

ربّان السفينة في الحياة هو الوعي؛
ذلك الصوت الداخلي الذي يعرف متى يتقدّم، ومتى يتوقّف، ومتى يُغامر، ومتى ينتظر.
فالقدرة على اتخاذ القرار رغم الغموض، والثبات حين تتزاحم الأصوات من حولنا هو طوق النجاه .

يقول الفيلسوف الروماني سينيكا:
«إن لم يعرف الإنسان إلى أيّ ميناء يبحر
فلن تكون هناك رياحٌ مواتية له.»

فالتيه لا يصنعه البحر، بل غياب الوجهة.
وفي علم النفس الوجودي، يؤكّد فيكتور فرانكل أن:
«الإنسان يمكن أن يُنتزع منه كل شيء، إلا شيء واحد: حرية اختيار موقفه تجاه أي ظرف.»

وهنا تتجلّى صورة الربّان بوضوح؛
فهو لا يختار العاصفة، لكنه يختار كيف يواجهها.

وحين تغيب القيادة الواعية، تتسلّم العاطفة الدفّة،
فتقودنا إلى قرارات متسرّعة، أو استسلام صامت،
أو تكرار أخطاء لانعرف نهاياتها.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«من لم يملك نفسه عند غضبه، لم يملك عقله عند رضاه.»

فالربّان الحقيقي لا يقود وهو غاضب
ولا يسلّم الدفّة وهو مُنهك
بل يعرف أن الاتزان هو نجاته الأولى.

لسنا مطالبين بأن نكون أقوى من البحر،
ولا أذكى من العاصفة،
لكننا مطالبون أن نكون أوفياء لأنفسنا،
ألا نترك الدفّة، وألا نُسلّم حياتنا للصدفة.

ففي نهاية الرحلة،
لن يُسأل أحد عن شدّة الرياح
بل عن من كان الربّان..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى