“بين عَفو المُقتدِر ومُداراة المُكرَه” فلسفة التسامح في ميزان الإرادة

في مسرح الحياة المكتظ بالوجوه والوقائع، نقف كثيراً أمام مرآة التسامح، ذلك المفهوم الذي طالما قدّسناه كأسمى فضيلة إنسانية. غير أن التدقيق في تفاصيل هذا المفهوم يكشف لنا عن ملامح متباينة، فليست كل ابتسامة عفو تحمل في طياتها الرضا ذاته، وليس كل كفٍ ممدودة بالمصافحة تعكس سلاماً داخلياً مطلقاً. إننا في الحقيقة نعيش بين ثلاثة عوالم من التسامح: عالم تُحلّق فيه الروح اختياراً، وعالم يئنّ فيه القلب اضطراراً، وعالم تُرسم فيه الملامح قسراً تحت سطوة الواقع.
تبدأ القصة حين يمتلك المرء مفاتيح العقاب في جيبه، فيختار بملء إرادته أن يلقي بها في بحر النسيان. هذا هو التسامح الاختياري، لحظة التجلّي التي لا تخرج إلا من نفسٍ شبعت من كبريائها، فسمت فوق الجرح. هو ذلك الصفح الذي نراه في عيني أب يرى انكسار ابنه المخطئ فيعفو عنه، أو في موقف ذلك القوي الذي يبتسم لخصمه المتعثر حين يسقط في قبضة عدالته. هنا لا يكون التسامح مجرد تنازل عن حق، بل هو استثمار في السلام النفسي، إذ يدرك المرء أن حرق جسور الود يكلفه أكثر مما يكلفه العفو. إنه فن التخلي الجميل، حيث يقرر الإنسان أن مستقبله أغلى من أن يُرهن لصراعات الماضي.
ولكن سرعان ما تتغير النبرة حين ننتقل إلى ظلال التسامح الاضطراري. هنا لا نجد أجنحة للروح، بل نجد مداراة يمليها العقل لتستمر الحياة. هو التسامح الذي يرتدي قناع الهدوء بينما يغلي القلب في الداخل، فالموظف الذي يتجاوز عن قسوة رب عمله، أو الفرد الذي يصمت عن ظلم ذوي القربى، لا يفعل ذلك حباً في التضحية دائماً، بل لأن البدائل مرّة، والطريق أمامه مسدود إلا من باب الصبر الجميل. إنه تسامح الحكيم المُكرَه الذي يدرك أن المواجهة في غير وقتها انتحار، فيختار أن يطوي الصفحة مؤقتاً، لا غفراناً مطلقاً، بل حمايةً لما تبقى من مصالح أو استقرار.
أما التسامح القسري، فهو ذروة الدراما الإنسانية، حيث يجد المرء نفسه أمام قَدَرٍ لا يملك منه فكاكاً، أو واقع اجتماعي يفرض عليه القبول بالآخر رغماً عنه. هو ذلك التسامح الذي لا يسألك عن رأيك، بل يضعك في قلب الحريق ويطالبك ألا تشكو. نراه في ضحايا الحروب الذين يُجبرون على العيش بجوار جراحهم، أو في المجتمعات التي تفرض فيها القوانين تعايشاً لم تتهيأ له القلوب بعد. إنه تسامح الواقع المرير، الذي يتطلب من الإنسان طاقة جبّارة لكي لا يتحول اضطراره إلى حقدٍ دفين، بل يحاول بمرور الزمن أن يحوّل هذا القسر إلى قناعة، والاضطرار إلى تعايش سلمي يحفظ الحد الأدنى من الكرامة.
إن التمييز بين هذه الأنواع ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة لفهم أنفسنا. فالتسامح الاختياري هو الرفاهية الأخلاقية التي يجب أن نسعى إليها كلما استطعنا، أما الاضطراري والقسري فهما دروع الحماية التي نتسلح بها في أوقات الضعف. ويبقى الذكاء الإنساني كامناً في قدرتنا على تحويل تلك اللحظات الصعبة من الاضطرار إلى فرص للتأمل والنمو، مدركين أن المداراة ليست عجزاً، وأن الصمت في وجه العاصفة هو أحياناً أقصى درجات الشجاعة. إننا لا نسامح دائماً لأننا طيبون، بل نسامح أحياناً لأننا نريد أن نعيش، وفي هذا النوع من التسامح بطولة صامتة لا يدرك حقيقتها إلا من ذاق مرارة الصبر وحلاوة البقاء.






