صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

ماذا يختبئ خلف الندبات؟

 

ليس كل ما يمرّ بنا يمرّ بسلام، وليس كل ما يلتئم يشفى حقًا. فبعض التجارب لا تغادرنا، بل تبقى مختبئة في أعماقنا بهدوء، كأثرٍ خفيّ لا يُرى لكنه يُحَس، يهمس بالألم كلما لامسته ذكرى عابرة.

 

نمرّ بأشخاص وتجارب ومواقف تترك فينا ندوبًا لا تختفي، ندوبًا لا تعني أنها ما زالت تنزف، بل أنها تعلّمت كيف تخفي وجعها. نحاول المسامحة، والتجاوز، وإقناع أنفسنا بأننا بخير، لكننا أحيانًا نصل إلى نقطة لا نستطيع تجاوزها، لا لأننا ضعفاء، بل لأن شيئًا في داخلنا أصبح أكثر وعيًا من أن يُخدع.

 

يقول جبران خليل جبران:
“الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور إلى الروح.”
لكن هذا النور لا يُرى دائمًا فورًا، أحيانًا يمرّ أولًا عبر وجع الفهم، قبل أن يتحول إلى سلام.

 

وربما ما ظننّاه مجرد أثر عابر، لم يكن ندبة سطحية كما تخيلنا، بل جرحًا عميقًا تماثل ظاهريًا للشفاء، بينما ظلّ في الداخل حيًّا ينتظر لحظة لمسٍ خفيفة تُعيد إيقاظه. نغطيه بالصمت، نداويه بالتجاهل، ونقنع أنفسنا أننا تجاوزنا… حتى تصطدم به ذكرى، أو موقف، فيعود الألم كأنه حدث للتو، وكأن الزمن لم يمرّ عليه يومًا.

 

لكن مع مرور الوعي، ندرك حقيقة مختلفة…
أن كل مرّ سيمر، ليس لأننا ننسى، بل لأننا نفهم. لأن المشاعر حين تتغير بفعل الإدراك، لا تعود كما كانت. فالمدرك ليس كالغاضب، والمدرك لا يعود، لأنه حين يرى الحقيقة، يختار أن يبتعد بهدوء عن كل ما يؤذيه دون ضجيج.

 

ويقول ابن القيم:
“إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله.”
وكأن بعض الجراح لا تحتاج فقط إلى زمن، بل إلى وعيٍ يعيد ترتيب الداخل، ويمنح الألم معنى بدل أن يتركه فوضى.

 

همسة أمل
ومع كل ذلك، تبقى الحقيقة الأجمل أننا لا نُكسر تمامًا.
نُصاب، نتعب، نتألم… ثم نعود بشكل مختلف، أهدأ، أعمق، وأكثر وعيًا بأنفسنا.
فما كُتب علينا أن نحمله، لم يُكتب ليهزمنا، بل ليعيد تشكيلنا بلطفٍ خفيّ لا نفهمه إلا حين نصبح أقوى مما كنّا.
ماذا يختبئ خلف الندبات؟
ليس الألم… بل النسخة التي أصبحت تعرف كيف لا تُكسر مرتين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى