حين يتسلّل النور وسط العتمة
ليست كل العتمات تُرى بالعين…
فهناك ظلامٌ يسكن الأرواح، لا تُطفئه الأضواء من حولنا، ولا يخفّفه ازدحام الحياة.
لحظاتٌ يشعر فيها الإنسان وكأن الطريق قد انمحى أمامه، وكأن كل شيء توقف فجأة، فلا يبقى أمامه سوى سؤالٍ صامت: كيف أواصل؟
في تلك اللحظات، لا تحتاج الروح إلى كثرة الكلام، بل إلى طمأنينة تعيد إليها توازنها، وإلى يقينٍ خفيّ بأن ما يمرّ ليس نهاية الطريق، مهما بدا كذلك.
العتمة ليست دائمًا انكسارًا…
أحيانًا تكون مساحة صامتة يعيد فيها الإنسان ترتيب نفسه، ويفهم ما لم يكن يراه وسط الضجيج والتشتت.
وفي داخل هذا الصمت تحديدًا، يبدأ التحوّل الحقيقي؛ لا حين تتغير الظروف، بل حين يتغير الإدراك.
قد يظن الإنسان أن النور شيءٌ يأتي من الخارج، من الأشخاص أو الأحداث أو المصادفات…
لكن التجربة تعلّمه أن بعض النور لا يُستعار، وأن أخطر أنواع العتمة هي تلك التي لا يبددها إلا قرار داخلي بالنجاة.
قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
ليست مجرد وعدٍ بالفرج، بل يقينٌ بأن الشدة لا تُترك وحدها، وأن في قلب الضيق طريقًا خفيًا يتشكّل نحو الفرج، وإن تأخر ظهوره.
ويبقى الإنسان، رغم كل ما يمر به، قادرًا على النهوض بطريقة لا يفهمها إلا من جرب الانكسار ثم أعاد بناء نفسه من الداخل.
فالقوة ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على إعادة الوقوف كل مرة بشكل أعمق و أهدأ و أصدق.
قال الإمام الشافعي:
“ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها
فُرجت، وكنت أظنها لا تُفرج.”
ليست هذه الأبيات وصفًا لحالةٍ عابرة، بل تلخيصًا لحقيقة تتكرر: أن ما يُغلق بإحكام، يُفتح بلطفٍ لا يخطر على البال.
همسة أمل
هكذا تمضي الحياة…
لا تكشف نورها دفعةً واحدة، بل تتركنا نعبر شيئًا من العتمة حتى نتعلّم كيف نراه.
وحين نظن أن كل شيء قد انتهى، نكتشف أن ما كان يتكسّر في داخلنا لم يكن سقوطًا، بل إعادة تشكيلٍ هادئة لإنسانٍ أقوى، وأكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا.
فلا تُقاس اللحظات الصعبة بما تأخذه منا…
بل بما تُعيد صنعه فينا دون أن نشعر …






