بين الجهل والتجاهل… تضيع مشاعرنا

ليست كل الجروح تأتي من الآخرين، فبعضها ينشأ حين نصبح غرباء عن مشاعرنا؛ نجهلها مرة، ونتجاهلها مرات، حتى تتراكم في زوايا الروح كأشياء مؤجلة، لا نواجهها ولا نتخلص منها. ومع مرور الوقت، لا يعود الألم في المشاعر نفسها، بل في المسافة التي صنعناها بيننا وبين ذواتنا.
نعيش أعوامًا نحاول أن نبدو بخير، بينما في الداخل شيءٌ ما يختنق بصمت. نضحك، ونتحدث، ونمارس حياتنا بصورة طبيعية، لكن أرواحنا تحمل أثقالًا لم نعترف بها يومًا، ومشاعر لم نمنحها حق الفهم أو الإصغاء.
وهنا يبدأ أحد أكثر الصراعات الإنسانية خفاءً: الصراع بين الجهل بالمشاعر وتجاهلها.
فالفرق بينهما دقيق، لكنه عميق الأثر.
فالجهل بالمشاعر يعني أن الإنسان لا يدرك حقيقة ما يشعر به. يتألم دون أن يعرف سبب ألمه، ويشعر بالضيق دون أن يفهم مصدره، ويتخذ قراراته تحت تأثير مشاعر خفية لا يراها بوضوح. إنه يعيش حالة من الغربة عن ذاته، فلا يستطيع قراءة ما يدور في أعماقه أو فهم الرسائل التي تحاول روحه إيصالها إليه.
أما تجاهل المشاعر فهو أمر مختلف؛ إذ يكون الإنسان مدركًا لما يشعر به، لكنه يختار عدم مواجهته. يعرف أنه متعب، لكنه يواصل استنزاف نفسه. يشعر بأن أمرًا ما يؤذيه، لكنه يبقى فيه. يحتاج إلى الراحة أو التقدير أو الطمأنينة، ثم يقنع نفسه بأنه لا يحتاج شيئًا.
وباختصار:
الجهل بالمشاعر هو ألا ترى الحقيقة،
أما تجاهلها فهو أن تراها ثم تغض الطرف عنها.
ولهذا فإن الجهل يبعد الإنسان عن نفسه، بينما التجاهل يجعله يعيش ضدّ نفسه.
يقول الفيلسوف سقراط:
“اعرف نفسك.”
وربما كانت هذه من أعظم الحكم التي قيلت؛ لأن معرفة الذات ليست أمرًا نظريًا، بل رحلة طويلة من الصدق والشجاعة. فأصعب مواجهة قد يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع نفسه.
أن يعرف لماذا يتألم.
ولماذا يخاف.
ولماذا يكرر الأخطاء ذاتها رغم إدراكه لعواقبها.
وكثيرًا ما يظن الإنسان أنه تجاوز ما يؤلمه لمجرد أنه لم يتحدث عنه، أو أنه قوي لأنه التزم الصمت، بينما الحقيقة أنه لم يفعل سوى تأجيل المواجهة.
لكن ما يتم تأجيله لا يختفي.
فالمشاعر التي ندفنها لا تموت، والآلام التي نهرب منها لا تتلاشى. إنها تبقى في الداخل، ثم تظهر بأشكال أخرى؛ فتتحول إلى إرهاقٍ دائم، أو فتورٍ في الروح، أو حساسيةٍ مفرطة، أو فقدانٍ للشغف، أو شعورٍ غامض بالثقل لا نعرف له تفسيرًا.
وقد عبّر الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي عن هذا المعنى حين قال:
“أقسى ما قد يمر به الإنسان أن يعيش ضدّ نفسه.”
فلا شيء أكثر استنزافًا من أن ينكر الإنسان ما يشعر به، أو أن يجبر قلبه على احتمال ما يؤذيه، أو أن يقنع نفسه بأن كل شيء على ما يرام بينما داخله يصرخ طلبًا للفهم والراحة.
فالروح لا تنسى ما نحاول الهروب منه، والمشاعر التي لا نواجهها تبقى عالقة في أعماقنا، تنتظر لحظة صدق لتعود إلى السطح من جديد.
وفي الحقيقة، ليست القوة أن نخفي مشاعرنا، ولا النضج أن نتظاهر بعدم الاكتراث، بل القوة الحقيقية أن ننظر إلى داخلنا بصدق، وأن نعترف بما نشعر به دون خوف أو خجل.
فالإنسان المتصالح مع ذاته ليس من لا يتألم، بل من يفهم ألمه، ويصغي إليه، ويمنحه حقه من الاعتراف والمعالجة.
وقد قيل:
“ما يتم تجاهله لا يختفي، بل يعود في أكثر اللحظات هشاشة.”
همسة امل..
إن السلام النفسي لا يبدأ من الهروب، بل من الإصغاء.
أن نتوقف قليلًا وسط ضجيج الحياة، ونسأل أنفسنا بصدق:
ما الذي يؤلمنا فعلًا؟
وما الذي نحاول إنكاره؟
وكم من شعور دفناه ظنًا منا أنه انتهى، بينما كان ينتظر فقط أن نصغي إليه؟
فالمشاعر ليست أعداءً ينبغي إسكاتها، بل رسائل ينبغي فهمها. وما لم نصغِ إليه اليوم، سيجد طريقه إلينا غدًا بصورة أخرى.
لأن أخطر أنواع الضياع ليست أن يفقد الإنسان طريقه…
بل أن يفقد نفسه وهو يظن أنه بخير.
لا تتجاهل شعورًا أثقل قلبك، ولا تُرهق روحك بمحاولة التظاهر بالقوة طوال الوقت. فبعض المشاعر لا تحتاج إلى مزيد من الصمت، بل تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بها. وربما كان السلام الذي تبحث عنه يبدأ من لحظة صدقٍ واحدة مع نفسك ..






