مفاكرة – الرياضية
لم تكن فترة الإعداد للموسم الجديد مجرد سباق لإبرام الصفقات أو إقامة المعسكرات الخارجية، بل تحولت إلى اختبار مبكر لمدى ثقة الجماهير في مستقبل فرقها وفي جدة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا بين قطبي المدينة؛ فبينما يستعد الاتحاد لبدء مرحلة جديدة بقيادة مدرب ألماني شاب مع الحفاظ على معظم ركائز الفريق، يجد الأهلي نفسه أمام تحدٍ مختلف بعد رحيل المدرب الألماني ماتياس يايسله إلى نيوكاسل يونايتد، في خطوة أنهت واحدة من أكثر الفترات نجاحًا في تاريخ النادي القاري.

الجماهير لا تقيس الأمور بالأسماء فقط، وإنما بما تركته من أثر داخل الملعب ولهذا لم يكن اسم يايسله بالنسبة للأهلاويين مجرد مدرب، بل قائدًا لمرحلة أعادت النادي إلى منصة البطولات القارية، بعدما توج الفريق بلقب دوري أبطال آسيا للنخبة في نسختين متتاليتين، وقدم كرة قدم منظمة صنعت حالة من الثقة بين المدرجات والجهاز الفني. ولهذا، فإن خبر رحيله لم يُستقبل بوصفه تغييرًا طبيعيًا في عالم كرة القدم، وإنما بوصفه نهاية مشروع نجح في إعادة الأهلي إلى واجهة المنافسة الآسيوية.
ولا يقتصر القلق لدى جماهير الأهلي على اسم المدرب، بل يمتد إلى توقيت الرحيل، إذ يأتي قبل انطلاق الموسم بفترة قصيرة، وبعد أن شارك يايسله في رسم ملامح التحضيرات الفنية، وهو ما جعل كثيرًا من الجماهير تتساءل عن قدرة الجهاز الجديد على المحافظة على الهوية الفنية التي تشكلت خلال الموسمين الماضيين.
في المقابل، تبدو الصورة أكثر هدوءًا داخل البيت الاتحادي. فالإدارة حسمت ملف المدرب مبكرًا بإعلان التعاقد مع الألماني ينس فيسينغ بعقد يمتد حتى عام 2028، كما أن الفريق يدخل الموسم محافظًا على معظم عناصره الأساسية، وهو ما يمنح الجهاز الفني فرصة البناء على منظومة جاهزة بدلًا من البدء من الصفر.
ورغم أن تغيير المدرب يحمل دائمًا قدرًا من المخاطرة، فإن كثيرًا من الاتحاديين ينظرون إلى المرحلة الجديدة باعتبارها فرصة لتطوير فريق يمتلك بالفعل قاعدة فنية مستقرة، أكثر من كونها عملية إعادة بناء كاملة.
اللافت أن جماهير الناديين لا تختلف حول الطموح، وإنما تختلف حول نقطة البداية؟! فالأهلي يخشى فقدان الاستقرار الفني الذي صنع البطولات بينما يراهن الاتحاد على أن الاستقرار في قائمة اللاعبين سيمنح المدرب الجديد فرصة أسرع لفرض أفكاره داخل الملعب.
وتؤكد تجارب كرة القدم الحديثة أن النجاح لا يرتبط دائمًا بحجم التعاقدات، وإنما بسرعة انسجام المنظومة فالفرق التي تحافظ على استقرارها الفني تدخل الموسم بأقل قدر من الأسئلة، في حين تحتاج الفرق التي تغير مدربيها إلى وقت للإجابة عن تساؤلات الجماهير، حتى وإن امتلكت أسماء كبيرة.
ومع اقتراب انطلاق الموسم، يبقى الحكم الحقيقي داخل المستطيل الأخضر، لكن المؤكد أن جماهير جدة ستتابع أولى الجولات بعين مختلفة؛ فالأهلاوي يبحث عن إجابة لسؤال ما بعد يايسله، والاتحادي ينتظر معرفة ما إذا كان ينس فيسينغ سيقود الفريق إلى مرحلة أكثر نضجًا وبين هذين المشهدين، تبدأ رحلة موسم جديد عنوانها العريض: الاستقرار والتغيير.






