صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
آخر الأخبار

من مكة.. المملكة تعيد صياغة معادلة الأمن الإقليمي

اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان لم تبدأ مع أزمات المنطقة.. سنوات من بناء الثقة وتوسيع الشراكات الدفاعية قادت إلى منظومة تجمع الاقتصاد والتقنية والقدرة العسكرية في معادلة ردع جديدة

لم تكن اللحظة التي اجتمعت فيها المملكة وتركيا وباكستان لتوقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بداية الحكاية، بقدر ما كانت إعلانًا عن وصول مسار طويل من العمل السياسي والدفاعي إلى مرحلة أكثر تقدمًا.

فالتحالفات المؤثرة لا تصنعها الصور التذكارية ولا تولد في ساعات الأزمات. تسبقها سنوات من بناء الثقة، وتقاطعات المصالح، والاتصالات السياسية والعسكرية، وتطوير العلاقات الثنائية، وقراءة التحولات التي تمر بها المنطقة والعالم.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب الاتفاقية أهميتها.

المملكة لم تنتظر اشتداد الأزمات في الشرق الأوسط حتى تبحث عن موقع داخل المعادلة الجديدة، وإنما تحركت خلال السنوات الماضية على أكثر من اتجاه: تطوير قدراتها العسكرية، توطين الصناعات الدفاعية، تنويع شراكاتها الدولية، بناء علاقات استراتيجية مع قوى إقليمية مؤثرة، والمحافظة في الوقت ذاته على شبكة واسعة من العلاقات مع القوى الدولية.

وهكذا جاءت مكة لتجمع أجزاء صورة كانت تتشكل منذ سنوات.

لماذا الرياض وأنقرة وإسلام آباد؟

السؤال الأكثر أهمية ليس لماذا اجتمعت الدول الثلاث الآن، وإنما: ماذا يمكن أن ينتج عن اجتماع قدراتها داخل إطار دفاعي واحد؟

المملكة تدخل هذه المعادلة بثقل سياسي واقتصادي، وموقع جغرافي بالغ الحساسية، وقدرات عسكرية شهدت تطورًا متسارعًا، إلى جانب مشروع متقدم لتوطين الصناعات العسكرية وبناء قاعدة دفاعية وطنية.

وتركيا تمتلك جيشًا كبيرًا، وتجربة عسكرية عملياتية، وصناعة دفاعية توسعت في الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والمنصات العسكرية والذخائر، فضلًا عن خبرتها الممتدة داخل حلف شمال الأطلسي.

أما باكستان فتضيف إلى المعادلة قوة عسكرية كبيرة وخبرات ممتدة، فضلًا عن امتلاكها السلاح النووي.

لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في جمع هذه القدرات حسابيًا.

القيمة تبدأ عندما تتحول المزايا المختلفة للدول الثلاث إلى قدرة مشتركة: تدريب، تخطيط، تبادل معلومات، صناعات دفاعية، جاهزية، وتنسيق سياسي وعسكري يسمح بالتعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة.

وهنا يمكن فهم إحدى أهم الأفكار التي تقف خلف الاتفاقية: المملكة لا تبحث عن إضافة حليفين إلى قائمة علاقاتها، وإنما تعمل على بناء هندسة أمنية تتوزع فيها عناصر القوة بدل اعتمادها على مصدر واحد.

من شراء الأمن إلى صناعة القدرة

لسنوات طويلة ارتبطت قراءة أمن المنطقة بسؤال تقليدي: من القوة الدولية التي تستطيع التدخل عند وقوع الخطر؟

اتفاقية مكة تقدم سؤالًا مختلفًا: ما الذي تستطيع دول المنطقة وشركاؤها فعله لمنع الخطر أصلًا؟

الفارق بين السؤالين كبير.

الأول يقوم على انتظار الأزمة ثم البحث عن الحماية، والثاني يقوم على بناء قدرة تجعل التفكير في الاعتداء أكثر كلفة قبل وقوعه.

وهذه هي فلسفة الردع في أبسط صورها.

فالقوة العسكرية الأكثر نجاحًا ليست بالضرورة تلك التي تدخل أكبر عدد من الحروب، وإنما التي تجعل خصومها يعيدون حساباتهم قبل اتخاذ قرار الحرب.

ومن هنا تأتي دلالة النص الذي يعتبر الاعتداء المسلح على أي من الدول الثلاث اعتداءً على الجميع. فالقضية لا تتعلق فقط بما سيحدث بعد الهجوم، وإنما بما يسبق الهجوم داخل حسابات الطرف الذي يفكر فيه.

إنه توسيع لمساحة الرد المحتمل.

المملكة تبني ولا تستبدل

ربما تكون إحدى أهم سمات السياسة السعودية في السنوات الأخيرة قدرتها على توسيع الخيارات دون الدخول في سياسة المحاور المغلقة.

العلاقة مع واشنطن لا تمنع بناء شراكات مع قوى أخرى. والعلاقة مع بكين لا تأتي على حساب الغرب. والتقارب مع تركيا وباكستان لا يعني إنشاء جبهة في مواجهة دولة بعينها.

هذه المرونة تمنح الرياض مساحة سياسية أكبر.

ولهذا تبدو محاولة اختزال اتفاقية مكة باعتبارها موجهة ضد إيران أو مرتبطة بتطور عسكري آني في المنطقة قراءة أقل من حجم الاتفاقية نفسها.

فالرياض وأنقرة وإسلام آباد لديها علاقات ومصالح وقنوات اتصال متفاوتة مع طهران، كما أن المملكة دفعت خلال السنوات الماضية باتجاه خفض التصعيد الإقليمي، وفي الوقت نفسه واصلت بناء قدراتها الدفاعية.

لا يوجد تناقض بين المسارين.

الدبلوماسية تقلل احتمالات الصدام، والردع يرفع كلفته إذا وقع.

والدولة التي تريد حماية استقرارها تحتاج إلى الاثنين.

استقلال استراتيجي لا عزلة استراتيجية

هناك فارق مهم بين الاستقلال الاستراتيجي والابتعاد عن الشركاء.

المملكة لا تتحرك نحو الانفصال عن المنظومة الدولية، وإنما نحو زيادة قدرتها على اتخاذ القرار داخلها.

كلما تعددت خيارات الدولة، وتنوعت مصادر التقنية والسلاح والشراكات والتدريب، ارتفع هامش قرارها الوطني.

ومن هنا يمكن قراءة العلاقة مع تركيا وباكستان باعتبارها جزءًا من تحول أوسع في السياسة السعودية: الانتقال من الاعتماد على الشراكات المنفردة إلى شبكة شراكات متداخلة.

شبكة لا يكون فيها الأمن عقدًا بين طرف قوي وآخر يحتاج إليه، وإنما مصالح متبادلة وقدرات يكمل بعضها بعضًا.

الصناعات الدفاعية.. الجزء الذي قد يكون أهم من السلاح

قد تجذب البنود العسكرية المباشرة الاهتمام الأكبر، لكن مستقبل الاتفاقية ربما يتحدد في المصانع ومراكز الأبحاث أكثر من ساحات القتال.

تركيا راكمت خبرة مهمة في الصناعات الدفاعية خلال العقدين الماضيين، وباكستان تمتلك قاعدة عسكرية وصناعية وخبرات متقدمة، فيما وضعت المملكة توطين الإنفاق العسكري والصناعات الدفاعية ضمن أهدافها الاستراتيجية.

إذا انتقلت الاتفاقية من التعاون التقليدي إلى التطوير والتصنيع المشترك ونقل المعرفة وبناء سلاسل إمداد دفاعية، فإن أثرها سيكون أبعد بكثير من إنشاء آلية للتدخل العسكري المشترك.

فالاستقلال الدفاعي لا يقاس بعدد الأسلحة الموجودة في المخازن فقط، وإنما بقدرة الدولة على تصنيعها وصيانتها وتطويرها وتأمين احتياجاتها في أوقات الأزمات.

وهنا تمتلك الدول الثلاث مساحة كبيرة للتكامل.

رأس المال والطلب السعودي، والخبرة الصناعية والتقنية التركية، والقاعدة العسكرية والبشرية الباكستانية، يمكن أن تصنع معادلة مختلفة إذا تحولت الاتفاقية إلى مشروعات مؤسسية طويلة الأجل.

ثلاث دوائر جيوسياسية في غرفة واحدة

هناك بعد آخر ربما لا يقل أهمية.

المملكة تقع في قلب الخليج والعالم العربي والإسلامي، وتركيا تتقاطع جغرافيًا وسياسيًا مع الشرق الأوسط وأوروبا والبحر الأسود والقوقاز، وباكستان تقف على بوابة جنوب آسيا وبالقرب من واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيدًا في العالم.

لذلك فإن جمع الدول الثلاث لا يربط ثلاثة جيوش فقط.

إنه يربط ثلاث دوائر جيوسياسية.

ومن الخليج والبحر الأحمر إلى شرق المتوسط، ومن جنوب آسيا إلى طرق الطاقة والتجارة، تمتد مساحة مصالح يصعب النظر إليها باعتبارها ملفات منفصلة.

وهذه النقطة تمنح الاتفاقية بعدًا يتجاوز الدفاع التقليدي إلى أمن الممرات البحرية، واستقرار سلاسل الإمداد، وحماية التجارة والطاقة ومواجهة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود.

مكة والرسالة السياسية

اختيار مكة المكرمة لتكون عنوانًا للاتفاقية يحمل بدوره قيمة سياسية ورمزية.

فالمملكة لم تقدم الاتفاقية باعتبارها نواة محور مذهبي أو اصطفافًا ضد طرف بعينه، وإنما إطارًا للتعاون الدفاعي وتحقيق الأمن والاستقرار.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في منطقة دفعت أثمانًا كبيرة نتيجة سياسة المحاور.

الرسالة السعودية هنا ليست بناء جبهة تبحث عن خصم.

الرسالة هي بناء قدرة تبحث عن الاستقرار.

والفرق بينهما جوهري.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع

مع ذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لأي اتفاق دفاعي لا تحددها قوة نصوصه وحدها.

الاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم التالي للتوقيع.

هل تتأسس قيادة أو آليات تنسيق دائمة؟

هل تتطور خطط مشتركة؟

ما مستوى التدريبات العسكرية؟

إلى أي مدى سيصل تبادل المعلومات؟

هل تظهر مشروعات تصنيع وتطوير دفاعي مشتركة؟

وكيف ستدار الاستجابة في حالة تعرض إحدى الدول لتهديد حقيقي؟

الإجابة العملية عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد المسافة بين اتفاق سياسي مهم ومنظومة دفاعية قادرة على تغيير الحسابات الإقليمية.

المملكة من قلب المعادلة

الأهم في اتفاقية مكة ربما لا يتعلق بما تضيفه تركيا وباكستان إلى أمن المملكة فقط، وإنما بما تقوله الاتفاقية عن الموقع الذي تريد المملكة أن تشغله في النظام الإقليمي المقبل.

لسنوات كان النقاش حول أمن الشرق الأوسط يبدأ من عواصم خارج المنطقة، ثم يصل إليها.

المعادلة التي تتحرك الرياض باتجاهها مختلفة: دول المنطقة لا تنتظر شكل النظام الأمني الذي سيصممه الآخرون، وإنما تشارك في بنائه.

وهذا تحول سياسي أكبر من الاتفاقية نفسها.

فالمملكة التي توسع حضورها الاقتصادي، وتبني صناعاتها الدفاعية، وتنويع علاقاتها الدولية، وتستثمر في قدراتها الوطنية، تتحرك بالتوازي نحو امتلاك مساحة أوسع في صناعة القرار الأمني.

ومن هنا يمكن قراءة اتفاقية مكة ليس باعتبارها نهاية مفاوضات امتدت لسنوات، وإنما بداية مرحلة جديدة.

مرحلة قد ينتقل فيها مفهوم الأمن الإقليمي من سؤال ظل حاضرًا لعقود: من يحمي المنطقة؟

إلى سؤال أكثر نضجًا واستقلالًا:

كيف تبني المنطقة القدرة التي تجعل الاعتداء عليها خيارًا بالغ الكلفة من الأساس؟

وفي المسافة بين السؤالين، تبدو المملكة اليوم أكثر حضورًا في صناعة الإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى