أسمهان توفيق لـ«مفاكرة»: الشاشة تتغير.. والفنان يبقى بما يتركه في ذاكرة الناس والدراما السعودية تملك جيلا واعدا
حوار/ محمد إدريس
لا تتحدث أسمهان توفيق عن الفن من ذاكرة بعيدة، رغم أن تجربتها تمتد عبر أجيال من الدراما الخليجية. تتحدث عنه من موقع الفنانة التي عرفت الشاشة ممثلة وكاتبة ومخرجة، وعاشت تحولات الجمهور وأدوات الصناعة، وما زالت ترى أن السؤال الأهم ليس ما صنعه الفنان في ماضيه، بقدر ما يستطيع أن يتركه بعده.

في ذاكرتها مساحة خاصة للسعودية؛ سنوات من العمل مع فنانين ومنتجين ومخرجين، وتجارب من بينها «طعم الأيام» مع الفنان الراحل محمد العلي. واليوم تنظر إلى المشهد السعودي من زاوية مختلفة، وترى جيلا جديدا دخل الدراما بالدراسة والحماس وإمكانات لم تكن متاحة في مراحل سابقة، وتتوقف باهتمام خاص أمام الحضور المتنامي للفنانات السعوديات.
في حوارها مع «مفاكرة»، تعود توفيق إلى الكتاب كلما تحدثت عن الثقافة، وإلى الإنسان كلما حضرت التقنية. لا تمنح جيل الرواد أفضلية مطلقة، ولا تنكر على الشباب قدرتهم على صناعة نجوميتهم، ولا ترى أن مساحة الدور تصنع قيمة الفنان. وبين تاريخ طويل ومستقبل تقول إنها تثق به، تبدو فكرتها أكثر وضوحا: ما يبقى من الفنان ليس عدد ما قدمه، وإنما الأثر الذي تركه في ذاكرة الناس.
مسيرة امتدت عبر أجيال مختلفة، ومع ذلك بقي اسمك حاضرا في ذاكرة الجمهور الخليجي والعربي. ما الذي يصنع عمر الفنان الحقيقي في رأيك: كثرة الأعمال، جودة الاختيارات، أم شيء آخر لا تصنعه الشهرة وحدها؟
جودة الاختيار مهمة، لكن هناك ما هو أهم منها، وهو الأداء. أحيانا يؤدي الفنان دورا ولا يبقى في الذاكرة، وفي المقابل قد يقدم دورا محدودا جدا ويظل الناس يتذكرونه سنوات.
الفنان يحتاج إلى طاقة جميلة وحضور، وأن يحب العمل الذي يقدمه ويبحث في الشخصية وتفاصيلها. حجم الدور ليس هو الأساس. شاركت مثلا ضيفة شرف في مسلسل «الناموس»، ومع ذلك بقي للدور أثر، وفي «موضي قطعة من ذهب» كان وجودي في نحو خمس حلقات فقط، ومع ذلك بقيت الشخصية مع المشاهد.
لذلك لا أعتقد أن كثرة الأعمال وحدها تمنح الفنان عمرا أطول. هناك خبرة وثقافة وأداء، وهناك علاقة يبنيها الفنان مع الجمهور عبر السنوات، وهذه العلاقة هي التي تمنحه الامتداد في ذاكرة الناس.
عشت مرحلة كان فيها البيت الخليجي يجتمع أمام شاشة واحدة وفي موعد واحد، واليوم يتوزع المشاهد بين المنصات الرقمية والبث عند الطلب ويوتيوب والمحتوى القصير. هل تغيرت الدراما، أم تغير الإنسان الذي يشاهدها؟
أنا لا أعتقد أن الدراما تغيرت. وجود المنصات ويوتيوب والمحتوى القصير لا يغير جوهرها. لدينا أفلام قصيرة ذات جودة عالية، ولدينا مسلسلات من ثلاث أو ست أو ثماني حلقات وتكون ذات جودة وتأثير كبيرين. طول العمل أو قصره ليس هو الذي يجعل الناس تتابعه.
الذي تغير في رأيي هو ثقافة الإنسان.
في السابق كان الكتاب جليس الإنسان. يعود إلى بيته ويمسك كتابا ويقرأ، ويأخذ معلوماته من مؤرخين وفلاسفة وكتاب كبار، ويقرأ في الاقتصاد والسياسة والفكر ويتعرف إلى ثقافات مختلفة من مصادرها.
أنا حتى اليوم لست من محبي البحث عن المعلومة عن طريق الإنترنت. ما زلت أبحث عنها في الكتاب، لأن جيلي تربى على الكتاب. الجيل الحالي يعتمد بدرجة كبيرة على الشاشة، والمعلومة تأتي إليه جاهزة، وأحيانا لا يتحقق من دقتها. وأنا شخصيا أجد معلومات كثيرة على الإنترنت غير صحيحة.
لذلك أقول إن ثقافة الإنسان هي التي تغيرت. نحن بحاجة إلى أن نعمق ثقافتنا أكثر. أما الدراما، فمنذ نشأتها وهي تدور حول الموضوعات الإنسانية نفسها وتعيد تقديمها بأشكال مختلفة؛ رومانسية أو خيال علمي أو رعب أو غير ذلك.
رغم تغير الأجيال، ما زال حضور أسماء الرواد يمنح العمل ثقلا خاصا. هل الخبرة الفنية ما زالت قادرة على فرض حضورها أمام جيل جديد من النجوم، أم أن مفهوم النجومية نفسه تغير؟
بالتأكيد وجود أسماء الرواد في أي عمل يعطيه طابعا مختلفا. الخبرة الفنية لها دور كبير، وهناك أيضا ارتباط بين الفنان الرائد والجمهور صنعته سنوات طويلة.
لكن هذا لا يمنع أبدا وجود نجوم من الجيل الجديد استطاعوا أن يثبتوا حضورهم. وأنا لا أقول إنهم فرضوا أنفسهم على الجمهور بالقوة، لقد فرضوا حضورهم بالمحبة. يظهر نجم شاب أو نجمة شابة فيلتقطهما الجمهور ويحب الشخصية وطريقة الأداء.
وأكرر دائما أن الفنان إذا كان صاحب ثقافة عالية وحضور قوي فسوف يثبت وجوده في المجتمع الفني وعند الناس. الثقافة مهمة، لأنها تجعل الفنان وهو يؤدي دوره يعرف ماذا يفعل ويفهم الشخصية التي يقدمها.
تبقى لنجومية الرواد مكانتها المختلفة بسبب الخبرة والسنوات والأعمال التي عاشوها مع الجمهور، لكن هذا لا ينتقص من نجومية الشباب الذين استطاعوا أن يصنعوا حضورهم على الشاشة.
هناك من يرى أن الدراما الخليجية افتقدت جزءا من الأعمال الثقيلة التي كانت تجمع الناس وتبقى في ذاكرتهم. هل تحتاج الدراما اليوم إلى عودة جيل الرواد، أم إلى استعادة الطريقة التي كان يصنع بها ذلك الجيل أعماله؟
قد تكون الدراما الخليجية افتقدت بعض الأعمال التي تحمل ثقلا أدبيا وفنيا وفكريا، لكن لدينا أيضا أفكار وأعمال جديدة تحمل هذا الثقل.
المسألة ليست أن جيل الرواد كان أقوى في الأداء التمثيلي أو الفني لمجرد أنه جيل الرواد. ربما كان من أهم ما يميز ذلك الجيل أن الفنان كان يحمل ثقافة عالية، ولذلك نادرا ما كان يقدم عملا غير مدروس.
قد نجد لدى بعض أبناء الجيل الحالي شيئا من الاستسهال. وأعود هنا إلى الثقافة؛ الفنان يحتاج إلى أن يستقي معرفته من الكتب الفكرية العميقة، وألا يعتمد بصورة كاملة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك هناك أعمال كثيرة تثبت أن الجيل الجديد استطاع أن يصنع فنا مميزا، خصوصا مع اختلاف التقنيات وتطورها.
وأنا لدي موقف من الذكاء الاصطناعي؛ لا أحبه. أشعر أنه من المؤسف أن نحول الإنسان إلى روبوت أو إلى ذكاء اصطناعي.
الرواد ما زالوا موجودين وقادرين على تقديم أعمال جميلة وعميقة، والشباب أيضا قادرون على ذلك. وهم جيل المستقبل، والجيل الذي يجب أن يأخذنا إلى الأمام. أتمنى منهم فقط أن يعمقوا أفكارهم وأن تكون اختياراتهم جادة وجميلة.
المشاهد اليوم أمام مئات الخيارات ويتنقل بينها بسرعة. هل تستطيع الدراما الاجتماعية الثقيلة أن تجمع الجمهور مجددا، أم انتهى زمن المسلسل الذي ينتظره الجميع ويتحدثون عنه في اليوم التالي؟
[تضاف إجابة أسمهان توفيق فور وصول تسجيل هذا السؤال.]
لك علاقة خاصة بالدراما السعودية، ومن محطاتها «طعم الأيام» عام 2001، الذي جمعك بالراحل محمد العلي كاتبة وممثلة. عندما تقارنين تلك المرحلة بما وصلت إليه الدراما السعودية اليوم، ما الذي كسبته، وما الشيء الذي تتمنين ألا تخسره وسط هذا التوسع الكبير؟
الدراما السعودية منذ بداياتها قدمت أعمالا كثيرة، وأنا عملت كثيرا فيها، وتعاملت مع عدد كبير من المنتجين والمخرجين والفنانين السعوديين، وأفخر بزمالتهم.
أتحدث عن زملائي القدامى وإخواني وأحبابي الذين عملت معهم منذ سنوات، وسعدت أيضا بالتعامل مع الشباب الجدد. أرى لديهم اهتماما وحماسا قويا، وأعتقد أن القائمين على الدراما السعودية حريصون على الفنان السعودي ويوفرون له الإمكانات. الفنان اليوم لا يملك عذرا حتى لا يقدم عملا جيدا وجميلا.
مع الانفتاح الكبير دخلت الدراما السعودية موضوعات كثيرة، ووصلت إلى موضوعات فيها جرأة وفكر جميل، وظهر عدد كبير من الشباب، وهذا صنع منافسة قوية بينهم.
والجميل أن كثيرا منهم درسوا في الأكاديميات الفنية ودخلوا الوسط وهم يحملون معرفة وثقافة. أتمنى أن يستمروا على ذلك وأن يكونوا حريصين على اختياراتهم.
لدي فقط ملاحظة على بعض الأعمال الكوميدية. أحيانا أشاهد عملا كوميديا لطيفا جدا ويحمل فكرا جميلا، وأحيانا أرى أن العمل يعتمد على الاستسهال. حتى العمل الخفيف واللطيف، سواء كان كوميديا أو اجتماعيا، يجب أن يحمل فكرة جميلة، وأن يكون هناك تأني في الإنتاج والأداء والاختيار.
في مراحل سابقة كان الحضور النسائي في الدراما السعودية محدودا، وكانت أسماء خليجية، وأنت من أبرزها، جزءا من مرحلة مهمة في تقديم الشخصية النسائية. ماذا يعني لك اليوم أن تشاهدي هذا العدد من الفنانات السعوديات وحضورهن في أدوار البطولة؟
الحقيقة أنني اندهشت. أدهشني هذا العدد وهذا الكم من الشابات السعوديات الواعدات والجميلات والمثقفات. وكأنهن خرجن فجأة من القمقم، وإذا بهن، ما شاء الله، بهذا الحضور الجميل.
والأجمل أن لديهن حماسا كبيرا للمعرفة. يردن أن يعرفن كل شيء ويسألن، ولا يشعرن بالحرج من السؤال. أنا فنانة قديمة وكبيرة في العمر ولدي خبرة، ولا توجد لديهن مشكلة في أن يأتين ويسألنني، وهذا يسعدني.
لا أريد أن أذكر أسماء حتى لا أنسى أحدا، لكن كل من تعاملت معهن، وحتى من أشاهدهن على الشاشة ولم أعمل معهن إلى الآن، أرى فيهن طاقة جميلة جدا. لقد اندهشت فعلا من هذا العدد الكبير من السعوديات المتحمسات للعمل الفني.
أتمنى من قلبي أن يحافظن على هذا الحماس وحب الفن، وأن يرتبط عملهن بالفكر والثقافة وخدمة المجتمع.
الفن يقدم الترفيه للمشاهد، لكنه يجب أيضا أن يقدم فكرة يمكن أن تخدم المجتمع في شيء ما. علينا أن نقدم أعمالنا في أجمل صورة، وبأجمل لغة وأداء وحضور.
أتمنى للفنانات السعوديات بكل حب التقدم والازدهار، وأن يحتللن كل الشاشات.
عرفت الفن ممثلة وكاتبة ومخرجة. لو جاءك اليوم نص استثنائي ودور لا يشبه شيئا قدمته أسمهان توفيق من قبل، هل ما زال هناك دور قادر على استفزاز الفنانة داخلك وإعادتها إلى الشاشة بقوة؟
بالتأكيد. إذا وجدت نصا غير عادي ودورا عميقا يحمل فكرا وطابعا جميلا فسوف أستسلم له. وبالتأكيد هناك أدوار كثيرة لم أقدمها حتى الآن.
أتمنى فعلا أن أحصل على نص فيه دور يليق بسني ومكانتي وخبرتي، حتى أستطيع أن أؤديه وأمتع الجمهور به، ويستمتع المشاهد بأدائي وبالدور الذي أقدمه.
بعد كل ما عشته من تحولات، ما الذي ترينه في الدراما الخليجية اليوم ويمنحك الثقة بمستقبلها، وما الشيء الذي تخشين أن تفقده ولا تستطيع استعادته؟
دائما المستقبل.
الإنسان لا يستطيع أن يعيش على الماضي وفخره وذكرياته. اليوم الذي نعيشه سينتهي ويصير ماضيا، والمستقبل هو الذي ينتظر الجميع؛ الشباب والشابات والأطفال وحتى كبار السن.
المستقبل هو الشيء الجميل الذي يجب أن نصنعه بعناية ودقة حتى نستطيع أن نترك للأجيال شيئا جميلا يتذكرونه. سنصير نحن الماضي، وسيكونون هم المستقبل. والمستقبل سيظل العلامة الفارقة في تاريخ الشعوب. أنت تصنع اليوم حتى تحقق المستقبل الجميل.
وأنا لدي ثقة في المستقبل. هناك أشياء كثيرة تغيرت؛ التقنيات الجديدة، والإمكانات الهائلة التي لم تكن موجودة، والأجهزة الحديثة. كل شيء يبشر بأن الدراما ستكون أجمل وأجمل.
وأعرف أن البعض قد يقول إن عقليتي قديمة قليلا، لكنني ما زلت أقول إنني ضد الذكاء الاصطناعي. لا أحبه، ولا أحب طريقة أدائه، ولا حتى طريقة الرسومات التي يصنعها للأشخاص أو الأشياء.
أنا أعتمد على الإنسان، وعلى عقل الإنسان في أن يصنع المستقبل بصورة أفضل. الإنسان نفسه هو الذي صنع الذكاء الاصطناعي، ولذلك هو قادر على أن يصنع كل شيء، وأن يحقق لنا مستقبلا أجمل وأوسع وأعظم.




