صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

بين القسوة والحزم… نخفي ألمنا.

 

ليس كل ما يبدو صلابةً قوة، ولا كل ما يُسمّى حزمًا خلوًّا من الوجع. أحيانًا نقف في المنتصف، نحاول أن نوازن بين قلبٍ تأذّى وعقلٍ يريد النجاة. فنشدّ على أنفسنا قليلًا، ونرفع نبرة أصواتنا قليلًا، ونغلق بعض الأبواب التي كانت يومًا مفتوحة على اتساعها.

 

القسوة غالبًا ما تكون صرخة ألم لم تجد لغةً مناسبة. ردّة فعلٍ حادّة تخفي خوفًا قديمًا، أو خذلانًا لم يُنسَ، أو احتياجًا لم يُلبَّ. هي درعٌ سريع الارتداء، يحمي من طعنةٍ محتملة، لكنه قد يجرح من يقترب دون قصد.

 

أما الحزم فشيءٌ مختلف. الحزم وعيٌ ناضج، وحدودٌ واضحة، وصوتٌ ثابت لا يرتجف من الداخل. الحزم لا يُغلق القلب، بل يحرسه. لا يُقصي الناس، بل يضعهم في أماكنهم الصحيحة. هو قدرة على قول “لا” دون قسوة، وعلى الانسحاب دون انتقام.

 

وكما قال الأديب جبران خليل جبران:
“الرقة لا تعني الضعف، والقسوة لا تعني القوة.”
فبين هذين الحدّين مساحةٌ واسعة نختبر فيها أنفسنا: هل نحن نؤذي لأننا تألمنا؟ أم نضع حدودًا لأننا تعلّمنا؟

 

ويقول جلال الدين الرومي:
“الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور إليك.”
فربما ما نظنه قسوة ليس إلا جرحًا لم يُفسَح له المجال ليشفى، فاختار أن يتخفّى خلف الصلابة.

 

حين يتكرر الألم، يبني الإنسان حواجز داخلية تحميه من السقوط مرة أخرى. يتحوّل الاندفاع إلى حساب، والثقة المطلقة إلى يقظة، والعفوية إلى انتقائية. وهذا ليس ضعفًا، بل محاولة للبقاء. لكن الفرق الدقيق يكمن هنا: هل تتحوّل الحماية إلى جفاء دائم؟ أم تبقى وسيلة مؤقتة حتى يتعافى القلب؟

 

القسوة قد تُشبه الحزم في المظهر، لكنهما يختلفان في الجوهر. القسوة تنبع من خوفٍ غير معالج، أما الحزم فينبع من وعيٍ مكتمل. القسوة تقول: “لن أسمح لأحد أن يقترب.”
أما الحزم فيقول: “من يستحق سيبقى، لكن بشروط تحفظ كرامتي.”

 

بين القسوة والحزم تختبئ حكايات كثيرة… حكايات أشخاص تعلّموا بالطريقة الصعبة، فصاروا أكثر صمتًا، أكثر حسابًا، وأقل اندفاعًا. لكن النضج الحقيقي ليس أن يتحجّر القلب، بل أن يتعلّم كيف يحمي نفسه دون أن يفقد دفأه.

 

القوة الحقيقية ليست في أن يقسو الإنسان، بل في أن يعرف الفرق بين الحزم والقسوة، وبين الحماية والجفاء. فبين القسوة والحزم مساحة وعيٍ إن أحسنّا الوقوف فيها… نجونا دون أن نخسر قلوبنا…

 

همسة أمل ..
كونوا بحدودٍ واضحة، لا بقلوبٍ متحجّرة.
فالنجاة لا تعني أن نفقد دفأنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى