صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

من يمتلك العلم يمتك القوة

في هذا المقال استعرض بعض المحاور التي تعيننا على فهم التغيرات التي تحدث في قطاع التعليم ليكون مورداً اقتصادياً ولكن في ذات الوقت أذكر من خلال التاريخ كيف ان المعارف والعلوم تكاملية ولا يمكن تجزئتها.

من المعروف انه من يمتلك المعلومة يمتلك القوة وهي عبارة يمكن تطبيقها في كل مجالات الحياة سواء السياسية او الاقتصادية او الثقافية او الأمنية وغيرها، فعلى سبيل المثال من يمتلك العلوم التكنلوجية ومعرفة تصنيع الشرائح الالكترونية والأسلحة المعقدة ووسائل الاتصال فإنه يمتلك القوة في هذا المجال ويمكنه السيطرة على الأسواق والتحكم في أسعارها وجني الأرباح من خلال معرفته بهذه العلوم. وينطبق هذا القول على بقية الصناعات بصفة عامة، ولتحقيق هذا الهدف يجب توفر قوة بشرية مؤهلة تأهيلاً مناسباً للقيام بالأبداع والابتكار والتصنيع ويجب ايضاً ان يتوفر في هذه القوة البشرية القدرة على إدارة تلك المقدرات والمكتسبات بشكل يحقق أفضل النتائج.

ولتحقيق ذلك فأن المطلوب من الجامعات ان تقوم بدور ريادياً في مجال البحث العلمي لإنتاج أبحاث متميزة ليس فقط في مجال التكنولوجيا والصناعة ولكن يجب إنتاج أبحاث في كافة مجالات الحياة العلمية والإنسانية لتحقيق التقدم في مختلف الأصعدة. ولتقريب الصورة أعطي مثالاً من جامعة مانشستر في بريطانيا، حيث نجد ان طلبة الدراسات العليا في قسم التغذية على سبيل المثال يطلب منهم أبحاث ومشارع لتطوير الخبز المعروف باسم (التوست) وتعرض الجامعة منتجات الطلبة في ورشة عمل على رجال الأعمال والمنتجات الحائزة على اعجابهم يتم بيعها باسم الجامعة والطالب ويحصل كلاً منها على نصيبه من الصفقة ويستفد رجل الأعمال بالحصول على منتج مميز ومبررات مقنعة لتسويقه ويضيف خط إنتاج في مصنعه لهذا المنتج. ويمكننا تطبيق التجربة على بقية الأبحاث المتعلقة بالأمن الغذائي مثل تطوير منتجات الألبان واستحداث سبل جديدة في الزراعة الأمر الذي يفتح فرص تسويق محلية وعالمية.

ويمكن تطبيق الفكرة في الأبحاث البينية بين الأقسام العلمية فعل سبيل المثال نجد ان عالم الاحياء المتخصص في الحشرات يدرس سلوك بعض الحشرات الناقلة للتربة ويتعرف على تفاصيلها الجسدية وما أمدها الله عز وجل من قدرات بدنية للقيام بهذه المهمة، وبالتعاون مع أقسام الفيزياء والهندسة تنتج الجامعة تصاميم لمعدات تفيد في مجال الزراعة والحفر بتفاصيل أقرب ما تكون من تلك الحشرات الموجودة في الطبيعة. وهذه الجهود المتكاملة تحتاج متخصص في مجال الزراعة لتكتمل المنظومة. ولكن اذا نظرنا إلى خريجين قسم الزراعة على انهم في الغالب عاطلين عن العمل وان مؤشرات توظيف هذا التخصص منخفضة سوف تذهب الجهود السابقة أدراج الرياح.

والموضوع نفسه ينطبق على علوم مثل التاريخ والجغرافيا واللغة العربية فعندما تتضافر الجهود في جميع قطاعات الدولة للقيام بنهضة عامة وشاملة نجد ان اللبنة الأساسية لهذه النهضة وهو الانسان الذي نشأ بعيداً عن هذه العلوم مفرغ من هويته التاريخية جاهلاً بأرثه الحضاري تائهاً في جغرافيته الوطنية والإقليمية عاجزاً عن اتخاذ القرار الصحيح ومتلعثماً في لغته العربية ولا يوجد لديه رصيد من خبرات وتجارب الأمم السابقة. مما يجعله فاقداً للأدوات التي تعينه على التطوير والإبداع والتعبير ومستهترة بالأرث الثقافي والحضاري لوطنه، وبالتالي فإن الاعتماد على هذه اللبنة المشوهة سوف يؤدي إلى انهيار عام في منظومة النهضة.

وإذا عدنا إلى التاريخ لنأخذ منه العبرة نجد على سبيل المثال ان الإسكندر الأكبر الذي حكم العالم كان يعتمد على جيش مليء بالفلاسفة والحكماء أمثال بطليموس وسلوقس وسترابون وغيرهم من العلماء الذين برعوا في كتابة تاريخ شعوب العالم والتعرف عليها وعلى جغرافية الأراضي التي يتقدمون إليها وأحوال المجتمعات التي سوف يتعاملون معها. وبذلك فأنه على الرغم من أن تحركات الإسكندر الأكبر العسكرية وخططه الحربية أبهرت العالم إلا أنها كانت تقوم على أساس من العلم والدراية بتاريخ كل منطقة وجغرافيتها ولغتها. فنجده عندما يدخل إقليم من الأقاليم يتعامل مع سكانه من خلال معرفة بأحوالهم الاجتماعية ومقدساتهم ويقدر موروثهم الديني والحضاري وينزل الناس منازلهم بحكمة وخبرة قدمها له أولئك الفلاسفة. كما انه كان يعتمد في تقدمه على نشر الثقافة والحضارة ويعززها ببناء المدن الجديدة والمكتبات العامرة، الأمر الذي يضمن له ولاء الأقاليم الجديدة فلا تنقلب عليه بمجرد مغادرتها. أن التاريخ هو مخزون الآدب والقيم فنجد أقدم المخطوطات البردية التي وصلتنا من الحضارة الفرعونية تتكلم عن القيم واحترام الأخ لأخيه وعن المروءة وعدم النظر للمحارم.

وشعب بلا دراية بتاريخه هو شعب بلا هوية وشعب بلا دراية بجغرافية بلاده هو شعب جاهل بالبيئة التي يعيش فيها ولا يمكنه ان يستثمر خيراتها، والكارثة الأكبر أن نعيش على جزيرة العرب المصدرة للغة العربية للعالم ونلغي تدريسها في جامعاتنا بحجة ضعف مؤشرات التوظيف، وكان الأجدر بنا أن نستغل هذه الميزة وتعمل الجامعات على تخريج أعداد كبيرة من طلبة أقسام اللغة العربية للعمل في معاهد اللغة العربية لغير الناطقين بها. كما هو الحال في بريطانيا التي تستقبل الملايين سنويين لتعلم اللغة الإنجليزية كونها الأرض الأصلية لهذه اللغة. وفي أفريقيا وأسيا وحتى أوروبا ملايين المسلمين الراغبين في تعلم اللغة العربية والتاريخ والدين في المملكة العربية السعودية.

أن العلوم والمعارف تكامليه تشكل حلقة لا يمكن كسرها أو التخلي عن جانب من جوانبها. والتاريخ وما يحتويه من موروث ثقافي وحضاري وخبرات بشرية والجغرافية بفروعها المتعددة البشرية والطبيعية واللغة العربية وما تقدمه من فصاحة وبلاغة وحسن تعبير كلها أدوات تساعد في وضع الخطط الاستراتيجية للمستقبل للمؤسسات العامة والخاصة ومن خلالها يمكن لقادة تلك المؤسسات اتخاذ قراراته.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى