صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

العتب… كرامة تتكلم

ليس كل صمتٍ راحة، ولا كل كلامٍ عتاب.

فالعتب حالة إنسانية دقيقة، لا يجيدها إلا من بقي في قلبه متّسعٌ للمحبة، ورغبةٌ صادقة في الإصلاح. هو ليس مواجهة قاسية، بل محاولة ناعمة لترميم ما تصدّع دون أن ينكسر.

يقول جبران خليل جبران:

“المحبة لا تعطي إلا ذاتها، ولا تأخذ إلا من ذاتها”،ومن هذا المعنى، يصبح العتب امتدادًا للمحبة، لا نقيضًا لها… صوتًا هادئًا يقول: ما زلت أُبقي لك مكانًا في قلبي.

فليس كل من اقترب يستحق العتاب، لأن العتب في جوهره دليل مكانة، وليس مجرد ردّة فعل. لذلك قيل: “على قدر المحبة يأتي العتاب”، لأن القلب لا يرهق نفسه بالحديث إلا مع من يعني له شيئًا.

ويُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه”،

فالعتب الراقي لا يُهان فيه الطرف الآخر، ولا تُكسر فيه القلوب، بل يُقال بوعي يحفظ الود، ويصون الكرامة.

لكن العتب لا يقف وحده… بل يرتبط بمعانٍ أعمق، أولها الاهتمام.

فالإنسان لا يعاتب من لا يهتم به، ولا يحاول إصلاح علاقة لا تعني له شيئًا. العتب هنا يصبح لغة خفية تقول: ما زلت أراك مهمًا في حياتي.

كما يرتبط العتب بالأمل…الأمل في بقاء العلاقة، وفي تصحيح الخطأ، وفي أن يكون الطرف الآخر واعيًا بما حدث. فالعتب دون أمل يتحول إلى شكوى متكررة، ومع الوقت يفقد معناه.

فالصمت حين يطول، لا يكون راحة، بل انسحابًا تدريجيًا من مساحة كانت يومًا ممتلئة بالمشاعر.

ومن جهة أخرى، يرتبط العتب بالكرامة…فليس كل من أخطأ يُعاتَب، لأن بعض الأخطاء حين تتكرر، تُسقط حق العتب. حين يتحول الأذى إلى نمط، يصبح الصمت أبلغ، والانسحاب أرقى.

يقول الإمام الشافعي:

“إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفًا

فدعه ولا تكثر عليه التأسّفا”

كما أن العتب يرتبط بالحدود…

فالإنسان الذي لا يضع حدودًا، يتحول عتابه إلى استنزاف، ويصبح حضوره مستباحًا. أما العتب الصحي، فهو الذي يُقال بوضوح، ثم تُبنى بعده مواقف تُحترم.

وفي العمق…

العتب ليس مجرد كلمات، بل اختبار حقيقي لمعدن العلاقات:

من يفهم عتابك… يقدّرك

ومن يستهين به… لا يرى مكانتك

ومن يكرره عليك… لا يخشى خسارتك

يقول مصطفى صادق الرافعي:

“إذا لم تجد من تعاتبه، فاعلم أن قد قلّ من يستحق البقاء في قلبك.”

همسة أمل…

العتب ليس ضعفًا، بل كرامة تتكلم، وحدود تُرسم، ومحبة تحاول أن تبقى.

فإن قُدّر له أن يُفهم، ازداد الود عمقًا…

وإن أُهمل، كان بداية صمتٍ لا يشبه البدايات.

وأحيانًا…

لا يكون الصمت نهاية العلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى