صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

“أنسنة الذكاء الاصطناعي” حين يفيض الكرم العربي في الفضاء الرقمي

في زمن ينشغل فيه العالم بسباق محموم نحو تعظيم قدرات الخوارزميات، وتتحول فيه التقنية إلى لغة باردة تُقاس بالكفاءة والسرعة، تبرز أمامنا فرصة نادرة. ليست المسألة أن نلحق بالركب التقني فحسب، بل أن نعيد تعريف التقنية ونمنحها هوية. نحن لا نواجه تحدّي في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بقدر ما نواجه سؤالاً أعمق: كيف نجعله يُشبهنا؟

هنا، يدخل الكرم العربي بوصفه أكثر من سلوك اجتماعي، إنه فلسفة تعامل، وهوية حضارية، ونظام غير مكتوب يُدير العلاقة مع الآخر. الكرم في جوهره ليس تقديم القهوة، بل تقديم الشعور بالأمان والانتماء. ومن هذا المنطلق، يصبح التحدي الحقيقي وهو كيف نُحمّل هذه القيمة في بنية رقمية؟ كيف نجعل الخوارزمية لا تكتفي بالإجابة، بل تُحسن الاستقبال؟

تخيل وأنت تتصفح تطبيقاً سياحياً أنك لا تقرأ معلومات جافة عن مدينة، بل تُستقبل بعبارة مصاغة بروح المضيف “حياك الله، المكان مكانك”. ليس مجرد نص ترحيبي، بل تجربة تبدأ منذ اللحظة الأولى. تخيل منصة حجز فنادق لا تكتفي بعرض الخيارات، بل تقترح لك ما يناسبك كما لو أن صديقاً محلياً يهمس لك “هذا المكان يليق بذوقك، وهنا ستشعر أنك بين أهلك”.

وفي مشهد أكثر تقدماً، لنعد إلى أزقة جدة التاريخية. زائر يرتدي نظارته الرقمية، لكن ما يراه ليس إعادة عرض ثلاثية الأبعاد فحسب، بل تجربة حيّة تُدار بعقل رقمي يفهم السياق الثقافي. حين يمر بجانب بيت قديم، لا تُعرض له معلومة جامدة، بل يُروى له بأسلوب قصصي كيف كان التاجر يستقبل ضيوفه، وكيف كانت القهوة تُقدّم كإعلان غير منطوق عن الترحيب. بل إن النظام قد يقترح عليه تجربة ضيافة افتراضية، يجلس فيها مع شخصيات تاريخية بأسلوب المُحاكاة، فيتحول التراث من مادة للعرض إلى تجربة للمعايشة.

يمكننا اليوم بناء مساعدين رقميين للجهات الحكومية أو الخدمية يتعاملون مع المستخدم ليس كرقم طلب، بل كضيف. على سبيل المثال: بدلاً من رد آلي يقول “تم استلام طلبك”، يمكن تصميم رد يُراعي السياق الثقافي “وصلنا طلبك، وابشر بالمتابعة، إحنا بخدمتك”. فرق بسيط في الصياغة، لكنه عميق في الأثر، لأنه ينقل الخدمة من مستوى الأداء إلى مستوى العلاقة.

وفي قطاع التعليم، يمكن تخيّل منصات تعلم ذكية لا تكتفي بشرح المناهج، بل تُراعي أسلوب الاحتواء في الخطاب. الطالب المتعثر لا يتلقى تقييماً جافاً فقط، بل رسالة تشبه دعم المعلم الحقيقي “واضح إنك حاولت، خلينا نعيدها مع بعض بطريقة أبسط”. هذه ليست رفاهية لغوية، بل بناء لثقة رقمية طويلة الأمد.

أما في عالم التجارة الإلكترونية، فأنسنة الذكاء الاصطناعي قد تعني تصميم تجارب شراء تُشبه الأسواق التقليدية، حيث البائع يعرف زبونه، ويقترح عليه ما يناسبه، ويتذكّر تفضيلاته، بل ويُشعره أنه مُقدّر. تخيل منصة تقترح لك منتجات لا بناءً على سلوكك فقط، بل بأسلوب يحاكي الذوق الاجتماعي “هذا الاختيار عليه إقبال من ناس يشبهون ذوقك” هنا تتحول البيانات إلى لغة إنسانية.

إن ترجمة الحرف اليدوية، والنقوش التراثية، وحتى العادات الاجتماعية، إلى عناصر رقمية داخل عوالم افتراضية، لا يعني فقط حفظ التراث، بل إعادة إنتاجه كقوة ناعمة عابرة للحدود. نحن لا نصدّر منتجات رقمية فحسب، بل نصدّر تجربة حضارية كاملة، حيث تمتزج التقنية بالذاكرة، وتتحول القيم إلى واجهات استخدام.

الأثر الحقيقي لهذا التوجّه لا يُقاس بعدد المستخدمين أو سرعة الاستجابة، بل في شعور الإنسان بأنه في بيئة رقمية تفهمه. مدينة ذكية لا تبدو غريبة عنه، بل تُجيد لغته، ليس فقط لغوياً، بل وجدانياً. مدينة تعرف معنى الجيرة، وتترجمها إلى خدمات، تعرف قيمة الوقت، فتُنجز بسرعة، لكنها لا تُفرّط في الدفء.

هذه ليست مهمة المبرمج وحده، ولا المؤرخ وحده، بل هي مشروع حضاري مشترك. حين يجلس المصمم إلى جانب عالم الاجتماع، ويعمل المبرمج مع الأديب، نبدأ فعلياً في كتابة كود رقمي يحمل روحاً، وليس مجرد أوامر.

في النهاية، نحن لا نُعيد تشكيل التقنية فقط، بل نُعيد تعريف الإنسان داخلها. نحن لا نُبرمج آلات أكثر ذكاء فحسب، بل نبني عالماً أكثر إنسانية.

ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن أن نبعث بها للعالم هي أن العرب الذين صنعوا معنى الضيافة على الأرض، قادرون اليوم على أن يجعلوا من الفضاء الرقمي امتداداً لذلك المعنى، حيث لا تكون الخوارزمية جافة، بل مُرحِّبة، ولا يكون الذكاء اصطناعياً فحسب، بل إنسانياً أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى