مختصون يدعون لتوسيع الفرص الجامعية للأيتام ذوي الظروف الخاصة
بين شروط القبول الجامعي ومبدأ تكافؤ الفرص، تبرز قضية استكمال الأيتام ذوي الظروف الخاصة لتعليمهم العالي باعتبارها أحد مسارات التمكين التي تتجاوز الحصول على مقعد دراسي إلى بناء مستقبل مهني واجتماعي أكثر استقرارًا.
وتفتح القضية مساحة للنقاش حول إمكانية توسيع الفرص المتاحة لهذه الفئة، سواء من خلال القبول في الجامعات الحكومية وفق الأنظمة والمعايير المعتمدة، أو توفير منح دراسية في الجامعات الأهلية بالشراكة مع القطاع الخاص، وربطها بالتخصصات المطلوبة في سوق العمل.
ولا تتوقف أهمية هذا الطرح عند حدود التعليم الجامعي، إذ يرى مختصون أن الوصول إلى الجامعة يمكن أن يمثل نقطة تحول في حياة اليتيم من ذوي الظروف الخاصة، بما يمنحه أدوات الاستقلال الاقتصادي، ويوسع خياراته المهنية، ويدعم اندماجه الاجتماعي وثقته بقدراته.
وفي استطلاع شارك فيه عدد من الأكاديميين والمختصين، برز اتفاق على أهمية توسيع فرص التمكين التعليمي لهذه الفئة، مقابل التأكيد على ضرورة أن تستند أي مبادرة مقترحة إلى معايير واضحة تحفظ العدالة الأكاديمية وتضمن استدامتها.
الصالح: الاستثمار في التعليم استثمار اجتماعي
أكدت عضو مجلس إدارة جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة الدكتورة وفاء بنت حمد الصالح، أن التعليم حق أصيل تكفله الدولة -حفظها الله-، وأن القرارات المرتبطة بالمنظومة التعليمية تستند إلى دراسات علمية تراعي جودة التنفيذ واستدامته.

وترى الصالح أن الاستثمار في تعليم الأيتام ذوي الظروف الخاصة يمثل أحد أهم مجالات الاستثمار الاجتماعي، لما يحققه من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية، مشيرة إلى أن الجامعات الحكومية تتيح التعليم المجاني للطلاب وفق أنظمة وشروط القبول المعتمدة.
ووضعت الصالح الجامعات الأهلية والقطاع الخاص ضمن دائرة الحلول الممكنة، من خلال دراسة توفير منح دراسية مجانية لهذه الفئة، على أن ترتبط بالتخصصات واحتياجات سوق العمل، بالتوازي مع البرامج المهنية والتأهيلية التي تزيد فرص التوظيف والاستقرار الوظيفي.
وأشارت إلى تجربة جمعية كيان في هذا الجانب، موضحة أن التمكين التعليمي للمستفيدين يمثل أحد أهداف الجمعية الاستراتيجية من خلال مشروع «علم»، إلى جانب مشروع التأهيل والتدريب، بما يدعم بناء قدراتهم وتعزيز المواطنة والاندماج المجتمعي.
العيار: الفرصة المضمونة لا تعني تجاوز معايير القبول
ومن الجانب الأكاديمي، أيد أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود الدكتور تركي العيار تخصيص مقاعد جامعية مضمونة للأيتام ذوي الظروف الخاصة، شريطة استيفائهم متطلبات القبول الجامعي.

ويرى العيار أن الجمع بين إتاحة الفرصة والمحافظة على المعايير الأكاديمية يحقق معادلة مهمة، فمن جهة يمنح هذه الفئة مساحة أوسع للوصول إلى التعليم الجامعي، ومن جهة أخرى يحافظ على قيمة الاجتهاد والاستحقاق والمنافسة.
وأشار إلى أن إتاحة هذه الفرص يمكن أن تفتح المجال أمام اكتشاف مواهب وقدرات ربما لم تجد المسار المناسب للوصول إلى الجامعة، وتسهم في إعداد كوادر قادرة على خدمة المجتمع في تخصصات متعددة، إلى جانب تعزيز الشعور بالمساواة والانتماء.
وشدد على أن نجاح أي مبادرة من هذا النوع يرتبط بوجود ضوابط واضحة تمنح الفرصة لمستحقيها دون الإخلال بالمتطلبات الأكاديمية.
الثقفي: القضية تتجاوز المقعد إلى بناء المستقبل

ووضع أخصائي العلاقات الإعلامية الدولية بوزارة الإعلام في جدة الدكتور أحمد عبدالغني عابد الثقفي القضية في إطارها الوطني الأوسع، مؤكدًا أنها تستحق الدراسة لما تحمله من أبعاد إنسانية وتنموية.
وأيد الثقفي تخصيص فرص جامعية للأيتام ذوي الظروف الخاصة وفق معايير واضحة تحقق العدالة والاستحقاق وتنسجم مع الأنظمة التعليمية في المملكة، معتبرًا التعليم أحد أهم أدوات تمكين الإنسان وبناء مستقبله.
ويرى أن توسيع الفرص التعليمية لهذه الفئة يمكن أن يدعم تكافؤ الفرص، ويستثمر الطاقات الوطنية الشابة، ويتقاطع مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية القدرات البشرية.
ولفت إلى أن المقعد الجامعي وحده قد لا يكون كافيًا، مشددًا على أهمية أن يصاحبه دعم نفسي واجتماعي وإرشاد أكاديمي يساعد الطالب على تجاوز التحديات التي قد تواجهه خلال مسيرته الجامعية.
وأضاف أن منظومة الدعم المتكاملة من شأنها تعزيز الثقة بالنفس والحد من آثار العزلة أو الوصمة الاجتماعية، وصولًا إلى تمكين المستفيد من الانتقال إلى الحياة العملية والإسهام في خدمة المجتمع.
من المقعد الجامعي إلى منظومة تمكين
وتكشف الآراء المشاركة أن القضية لا تنحصر في تخصيص عدد من المقاعد الجامعية، بقدر ارتباطها ببناء مسار متكامل يبدأ من إتاحة الفرصة، ويمر بالإرشاد والدعم والتأهيل، وينتهي بالتخرج والانتقال إلى سوق العمل.
كما تفتح القضية النقاش حول الدور الممكن للجامعات الأهلية والقطاع الخاص والمؤسسات غير الربحية في بناء برامج منح مستدامة، واختيار تخصصات ترتبط بالفرص الوظيفية، بما يجعل الدعم التعليمي أكثر قدرة على إحداث تغيير مستدام في حياة المستفيد.
وفي المقابل، يبقى الاستحقاق الأكاديمي عنصرًا أساسيًا في أي تصور مقترح؛ فالتمكين لا يعني إلغاء شروط القبول أو تجاوز المعايير، وإنما توفير فرصة عادلة تساعد القادر والمؤهل على الوصول إليها.
وبين المقعد الجامعي والمنحة والتأهيل لسوق العمل، تبدو القضية أكبر من مبادرة تعليمية منفردة، فهي ترتبط بكيفية الانتقال من الدعم الاجتماعي إلى تمكين مستدام يمنح الأيتام ذوي الظروف الخاصة الأدوات التي يحتاجون إليها لبناء مستقبلهم والمشاركة بقدراتهم في التنمية الوطنية.
ويبقى السؤال أمام الجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات ذات العلاقة: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى مبادرة وطنية أكثر شمولًا لتنظيم وتوسيع فرص التعليم الجامعي للأيتام ذوي الظروف الخاصة، تبدأ من إتاحة الفرصة وتمتد إلى التأهيل والوصول إلى سوق العمل؟







